أشدُّ الحجاب بحزم أكثر

نشر 10 مارس 2015 | 10:31

كالسياسي المحنك الذي يضطلع بمهمة إصلاح وتغيير خطيرة فيدرس المداخل والمخارج والاسباب والمآلات ويدبج الكلمات والخطب لاقناع الطرف الآخر، ويلون ويشجع ويحفز ولا يدع خدعة في جراب الساحر الا ويستخدمها، أجد حالي مع ابنتي وأنا أحاول تحبيبها وإقناعها باللباس الشرعي، الجلباب تحديدا، محاولة أن أتبع وسائل التربية الحديثة التي تحترم شخصية الطفل وقراراته وتأخذه بالمحاورة والاقناع وخطوة خطوة، في الوقت الذي كان حجابي فيه شخصيا وكثيرات من أبناء جيلي طبيعيا سلسا سهلا كشرب الماء عذبا مسلما به بقناعة وحب وإقبال!

متعبة هذه «ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم» فقد أخذت مني جهدا ووقتا وأعصابا كأم، وحملتني أحيانا على ما لا اقتنع به تماما في قضية اللباس الشرعي، ولكني كنت أمسك العصا من المنتصف لا أتنازل عن روح القانون ومضمون الحجاب، ولكن قد أتخفف قليلا في طريقة تقديمه ما دام الأساس صحيحا.

في الوقت الذي لا يأخذ مني ارتداء اللباس الشرعي للخروج وقتا ولا كثير تفكير؛ فالحجاب شيء مني من كينونتي وكياني يعنيني أن يحترمه الناس الذين يرونه ويحبونه بتصرفاتي، ولكنه يأخذ من ابنتي وكثيرات من بنات جيلها ساعة وتبديل وتغيير وتلبيق ومعاينة في المرآة كأن كل خروج هو خروج في زفة عروس!!

انتبهت ابنتي أن حجابي غير ملون وأرادت صراحة ان يكون حجابها ملونا، انتبهت ان جلبابي بأزرار احيانا، وأرادت جلبابها بغير أزرار فهل في هذا مشكلة ام ان التجديد مطلوب بحجة ان الزمان غير الزمان، وحتى زماننا ليس زمان الجلباب الكحلي والاسود الفضفاض الذي يسع اثنتين من كبره؟!

لا ليست المشكلة في هذه التغييرات الظاهرية والاذواق والاختيارات الشخصية، انها المشكلة في فهم رسالة الحجاب ولماذا تتحجب المرأة المسلمة؟ هل عندما تقفين ساعات أمام المرآة تتفنين بلفة الحجاب وقد تضعين بعض المساحيق وتلبسين ثيابا ضيقة يكون الحجاب قد حقق رسالته ووظيفته التي شرع من اجلها في نفسك وفي المجتمع، من ايمان وتسليم وصبر ودعوة ظاهرة ومتحركة وعمل وانتاج وتميز وصيانة للمشاعر؟ عندما تبالغين في الانتقاء والمزاوجة ماذا يدور في خلدك؟! أهو الترتيب فقط أم الأناقة والجمال وما يحمله ذلك من رسائل خفية يصبح الحجاب فيها مغريا حتى لاصحاب النفوس الطيبة وجاذبا بدل ان يكون ساترا!

نعم بعض الفتيات يصبحن اكثر جمالا وجاذبية بالحجاب، فالموديلات الآن لا تختلف عن الفساتين في شيء، وقد يقول قائل وماذا في الفساتين الطويلة واللباس الطويل الذي يستوفي صفات الحجاب، فنرد ان في الأمر عرفا حميدا يصطلح عليه المجتمع، فيشكل حالة عامة مقبولة غير ملفتة تذوب في الوسط العام، وكل ما افترق عن ذلك يكون ملفتا للنظر، وهذا ما نجده عند الارتحال بين البلدان؛ فحجاب بلاد الشام مثلا غير حجاب الجزيرة العربية في الشكل الخارجي، وقد يشكل ذلك فتنة او مشكلة في التعامل وذلك أمر ملحوظ وملموس؛ فالحجاب عرف محمود في شكله بعد كونه فريضة ربانية في أصله وتفاصيله.

للحجاب فقه يجب أخذه ودراسته لتطبيق الفرض والعبادة في أحسن صورها؛ فالصلاة لا تكتمل ولا تقبل ما لم نعلم كيفية اقامتها التي تسبق الوقوف لادائها وتأدية حركاتها، وكذلك الحجاب، هناك لوازم فكرية وقلبية لارتدائه؛ فهو ليس خرقة قماش تتشكل بحسب الازمان والموضات، وإنما عقيدة ودعوة وأعظم عبادات المرأة المسلمة.

هل من الخطأ اذن ان أكون جميلة ومقبولة بالحجاب ام علي ان اهمل في الترتيب حتى أحقق الستر؟! ان منطق «طخه او اكسر مخه» لا يرسخ عقيدة ولا ينشر دينا؛ فالمرأة عمود الرفق، والحجاب يجب ان يعزز كل أشكال الرفق والسماحة والجمال، ولكن مربط الفرس أكثر عمقا واختفاء لا يظهر للعين، ولا يعلمه الا ناظر القلب سبحانه، وهنا تكمن خصوصية الحجاب وعلاقة المرأة المسلمة بربها في هذا الامر، وهذه جوابها لله والسؤال لك لماذا لونت او لم تلوني؟ لماذا ضيقت او وسعت او خصرت؟ هل تستحضرين نية الحجاب كلما تلبسينه؟! هل يحقق لباسك صفات الحجاب ويؤدي دوره في المجتمع؟!

وفي الوقت الذي ننشغل فيه بهذه الاسئلة البسيطة التي يعدها البعض حاصل تحصيل بل لا نجد اي مشكلة في ارتداء الحجاب حتى أصبح للكثيرات عادة لا عبادة، ننظر الى اخريات يكون الحجاب عندهن كالجهاد، رسالة يجب الدفاع عنها كل يوم بشكل مرهق ومدم للقلب، ففي انجازات تركيا الاخيرة كان يحتفى بوصول المحجبات الى القصر الرئاسي والجامعات بعد سنوات من حظره وتجريمه كما يحتفى بالانجازات السياسية والاقتصادية.

في الوقت الذي تفكر بناتنا بالحجاب وتؤجل قرارها وتقدم قدما وتؤخر الاخرى تقتل الطبيبة يسر أبو صالحة في أمريكا من اجل اسلامها وحجابها فيكون من آخر كلامها: الحجاب مجاهدة ومصابرة تذكر النساء أننا لا نعيش فقط لهذه الدنيا، وأرجو الله ان يثيبنا على الصبر على هذا الامتحان اليومي.

في الوقت الذي نستسهل تناول الحجاب لارتدائه ونعتبره أمر بديهيا تخوض بعض المسلمات حربا للدفاع عن حق ارتدائه وللدفاع عن صورته وسماحته وطهره والدين الذي يمثله.

في الوقت الذي نملك رفاهية الجدل حول اللون والشكل وما أريد ولا يعجبني، تأتي رسالة مبكية من بلاد تدعي الديمقراطية بينما الحرب على الدين والحجاب فيها على أشدها وحياة المحجبات فيها نضال متصل:

تقول جنى أحمد الأخرس:

«أشدُّ الحجاب بحزم أكثر

وألملم شعث نفسي وأتأهب

وأشاهد الأخبار بحثا عن تلك الكلمات المتفجرة:

ارهابي

مسلم

متطرف

أشد حجابي اليوم بحزم أكثر

وكأنه مرساة نجاتي

وأبكي دمعة لكل امرأة مسلمة عليها ان تعتذر لمن أساء للدين باسم الدين

للاعلام الذي لم يفرق بين المجرم والضحية

ولاولئك الذين نظروا الي اتهاما وشزرا في ذلك اليوم

لاولئك الذين جعلوني أشد حجابي بحزم أكثر: ضياء، يسر ورزان

ارجو أنكم تذكرونهم في دعائكم، فموتهم لم يكن حدثا عرضيا وانما هوحصاد عملية ممنهجة لشيطنة المسلمين ورفع صفة الانسانية عنهم،

كنت أرتدي حجابي كتاج ولكني اليوم أشده بحزم أكثر...»

في كل مرة تقفين أمام المرآة تذكري هؤلاء، وخذي النعمة بتمامها وحسن أدائها؛ عندها سيضيء الحجاب بك وسترتقين بالحجاب كهوية ورسالة ونظام حياة.

فشدي الحجاب بحزم أكثر.