كان مفاجئاً أن تدعو حماس لتشكيل مجموعات عسكرية في مخيمات اللاجئين في لبنان، ومطالبتها الجبهات العربية اللبنانية والسورية بالسماح لكتائب القسام لمقاومة (إسرائيل) من شمال فلسطين.
هذه الدعوة تشير إلى أن الفكرة ما زالت في طور النقاش الداخلي، لكن هناك دعوات داخلية في حماس تطالب بضرورة تفعيل الجبهات الخارجية لاستنزاف الجيش الإسرائيلي، خاصة حدود لبنان وسوريا والأردن ومصر، رغم ما فيها من مخاطرة الدخول في مشاكل داخلية مع تلك البلدان.
مع العلم أن حماس حين تقرر أمراً ذا طبيعة عملياتية ميدانية يتعلق بالمقاومة المسلحة، فلن تعلن عنه، لتحافظ على عنصر المفاجأة ضد (إسرائيل)، وهي ترى أن ساحة المواجهة الأساسية مع الاحتلال الإسرائيلي في داخل فلسطين، ولهذا ركزت عملياتها المسلحة سابقاً على الداخل فقط، لكن هذه السياسة ليست بالضرورة أن تبقى ثابتة كل وقت، فـ(إسرائيل) تستهدف حماس وغيرها خارج فلسطين أيضاً.
كما أن تشتيت قدرات الجيش الإسرائيلي يعتبر أولوية للقوى الفلسطينية المسلحة، كي لا يركز جهوده على غزة وحدها، ولا بد لباقي الحدود العربية أن تأخذ دورها العسكري، دون الخوض في التفاصيل، لكن (إسرائيل) يجب أن تشعر بعدم الأمان من كل الجهات.
الجديد في دعوة حماس أنها تخالف تأكيدها الدائم بأن ساحة قتالها ضد (إسرائيل) هي الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، وترفض نقل المواجهة العسكرية معها خارج الحدود، حتى لا تدخل في إشكاليات سياسية وأمنية مع الدول العربية التي تمتلك حدوداً طويلة مع (إسرائيل)، وكان آخر هذه التأكيدات ما أصدرته كتائب القسام مؤخراً عن عدم وجود عناصر أو قادة لها يعملون خارج فلسطين، لأن ساحة عملها داخل الأرض المحتلة.
ورغم مرور عدة أيام على دعوة حماس غير المسبوقة لتشكيل خلايا مسلحة ضد (إسرائيل) انطلاقاً من لبنان، فلم يصدر أي تصريح لبناني رسمي رداً عليها، فيما التزم حزب الله الصمت إزاء هذه الدعوة، لكن الفصائل الفلسطينية طالبت بتشكيل جبهة مقاومة موحدة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وفتح جبهات جديدة لقتال (إسرائيل)، سراً أو علناً لجميع قوى المقاومة، وليس لكتائب القسام فقط، من مختلف الحدود العربية.
ومع ذلك، فقد خرجت أصوات فلسطينية في لبنان رأت أن تعبئة الفلسطينيين للعمل المسلح في مخيمات اللاجئين تحتاج لتنسيق مع المستويات اللبنانية، في ظل التركيبة الطائفية، لأنها أهم العوائق أمام ممارسة الفلسطيني دوره في مقاومة الاحتلال.
مهم الإشارة إلى أن حماس تعلم جيداً أن الذاكرة اللبنانية ما زالت تحمل آثاراً سلبية من التواجد العسكري الفلسطيني في السبعينيات والثمانينيات، أثناء تواجد منظمة التحرير، حيث اشتعلت الحروب الإسرائيلية ضد لبنان بسبب انطلاق المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنات الإسرائيلية، فهل ستقبل الدولة اللبنانية أن يعيد التاريخ نفسه مع حماس هذه المرة؟
المتفق عليه كما يبدو أن دخول حماس بأي مواجهة عسكرية مع (إسرائيل) عبر أي حدود عربية، ورغم أنه حق للشعب الفلسطيني، لكنه يتطلب منها الأخذ بعين الاعتبار تجربة منظمة التحرير في لبنان، كي لا تكون عملياتها المسلحة على حساب الشعوب العربية، رغم أن حماس في غزة عانت خلال الحرب الأخيرة من استفراد (إسرائيل) بها لمدة 51 يوماً، فيما بقيت الجبهات المحيطة بفلسطين صامتة، ولم تطلق على (إسرائيل) أية صواريخ، ولم تنفذ عبرها أي عمليات مسلحة.
هدوء الجبهات العربية المحيطة بـ(إسرائيل) خلال حرب غزة الأخيرة ترك ردود فعل غاضبة داخل حماس، وبدأت تسمع في أروقتها الداخلية دعوات بأن يأخذ باقي الفلسطينيين والعرب دورهم في مواجهة (إسرائيل)، وعدم ترك غزة تخوض حرباً بين عام وآخر لوحدها.
ومع ذلك، يعتبر البعض أن دعوة حماس لتشكيل مجموعات مسلحة لمهاجمة (إسرائيل) قد تكون ذات بعد معنوي تعبوي، وليس بعدا قتاليا ميدانيا، فالوضع اللبناني حرج جداً، وإذا كان حزب الله أوقف عملياته ضد (إسرائيل) لاعتبارات لبنانية داخلية، خشية من الرفض الشعبي اللبناني لأي مواجهة مع (إسرائيل)، فكيف سيسمح اللبنانيون للفلسطينيين "الضيوف" عليهم، بمهاجمة (إسرائيل)، مما قد يتسبب بخراب الدولة اللبنانية بأسرها؟
أخيراً.. من الواضح أن مطالبة حماس بتشكيل خلايا عسكرية في لبنان لاستهداف (إسرائيل)، لم تأخذ بعين الاعتبار الحصار الذي يفرضه الجيش اللبناني على المخيمات الفلسطينية، من إجراءات أمنية تحد من حركة الفلسطينيين، حتى أن الذهاب للحدود الإسرائيلية لمجرد الزيارة يحتاج تصريحاً منه، فكيف الحال لو ذهب الفلسطينيون مدججين بالأسلحة والعتاد العسكري لمهاجمة (إسرائيل).