أزعم أن لا أحد به بقايا من نزعة الإنسانية شاهد مقتل معاذ الكساسبة رحمه الله واستطاع النوم بأريحية في ذلك اليوم دون اضطراب أو أوجاع في المعدة والرأس! حتى المختلفين على مشاركة الاردن العسكرية في التحالف الامريكي لا يستطيعون الاختلاف على بشاعة القِتلة التي تعافها كل نفس سوية فكيف لو زاد على ذلك كوننا مسلمين والرحمة والمرحمة عنوان ديننا؟
نعم لم ننم ليلة الاربعاء وظل المشهد يلاحقنا في صحوتنا وزاد من ألم الموقف العائلة التي خلفها معاذ وراءه، كل الأمهات وضعن أنفسهن مكان أمه، كل الآباء مكان أبيه، كل زوجة ترملت في سن صغيرة رأت مأساتها تتكرر في زوجه، بكينا أنفسنا ومآسينا فيه وكأن في عائلته وقصته جزءا من حياتنا جميعا.
غير ان الشريعة عندما حددت العزاء في ثلاثة أيام كان من المقاصد وضع حد لظاهر حالة الحزن العاطفية التي قد تخرج الانسان عن صوابية قراراته وحكمته، فالقرارات الحاسمة لا تؤخذ على غضب والرجل المكين لا تستفزه ولا تستخفه زلازل المحن فقد جاء عن سيدنا عمر «الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والسرعة الى الحرب بيان ضياع».
لن ينته حزن الاردنيين على فقيدهم بعد ثلاثة، ولكنهم من الرشد بمكان انهم لن يقبلوا ان يعاد سيناريو معاذ ولا بأقل منه في الوقت الذي يمكننا أن نجنب خيرة ابنائنا حربا لا ناقة فيها ولا جمل فرضت علينا من قوة عظمى تتلاعب في دول المنطقة حسب مصالحها وتصطنع فئات مرتزقة تتاجر بالدين والقيم وتشوه كل نبيل!
ربما تكون النار قد انطفأت في جسد معاذ ولكنها لم تنطفئ في قلوب الاردنيين غير ان رد فعل الدولة على هذه التنظيمات لا يكون بمثل افعالها فنحن دولة هاشمية تنتسب الى رسالة الاسلام السمحاء كما أننا دولة قانون ومؤسسات لا نرد على الاجرام بمثله.
وحتى ان وجب الثأر فإنه يكون بقدر الشق الذي يحدثه مبضع الجراح للشفاء يتوجه فقط ضد القتلة ولا ينال في طريقه، ولا حتى بالخطأ، شيخا ضعيفا او امرأة عزلاء او طفلا رضيعا، فإن نتخفف في العقوبة حفاظا على حياة الابرياء المدنيين الموجودين على الارض، قصرا او اختيار جهالة، خير من ان نشتط في العقوبة فنأخذ بطريقنا الابرياء، هذا هو الضمير المسلم الاردني الذي يعفو عفو القادر فنحن لسنا أمريكا تقتل الابرياء وتسميهم ضحايا لا بد منهم collateral damageولسنا جبناء كأفراد هؤلاء التنظيمات لنختبئ ونعيش بين المدنيين ونعرضهم للخطر!
لدينا ما يكفينا من الملفات الداخلية التي يجب ان نتوحد على معالجتها، فتهديدها أكبر علينا من التنظيمات التكفيرية، فالبشر عندما تهان كرامتهم وتصادر حرياتهم وتسلب ارزاقهم يخرجون من عقال العقل ووسطية الحكمة ويتطرفون، والأردن ليس بحمل الزج به في جبهات أخرى قبل تمتين واصلاح الجبهة الداخلية.
قال الشاعر:
أرى بين الرماد وميض نار يوشك أن يكون لها ضراما
فإن لم يطفؤها عقلاء قوم يكون وقودها جثثا وهاما
عقلاء القوم موجودون يقودهم الوالد المكلوم وولي الدم وصاحب البصيرة الحاج صافي الكساسبة الذي قال لمعزيه من فلسطين «ليت طائرة ابني سقطت على تل أبيب، بلغوا سلامي لاهل غزة».
لقد عرف الحاج برغم جرحه العدو الاول والاخير الذي يحب ان تتوجه اليه بوصلة كل مسلم دون ابطاء، فاسمعوا له فلا أحد بحرصه ولا بحرقة قلبه.
حفظ الله الأردن والأردنيين من المتاجرين بأحزانهم ودمائهم ومستقبلهم.