لا يبدو أن وضع تقدير موقف دقيق لتبعات اغتيال (إسرائيل) لقادة حزب الله مهمة يسيرة، لأنه يفتح الباب لسيناريوهات عديدة في قادم الأيام، أخذاً بعين الاعتبار عدداً من الملاحظات المفتاحية، أهمها صعوبة أن يمر الحزب مرور الكرام على الخسارة الفادحة التي ألمت به، وسيبدو النقاش الذي يشغل صناع القرار في بيروت وطهران ودمشق و"تل أبيب" عن مكان وحجم وطبيعة الرد، وليس هل سيكون هناك رد أم لا!
ستنشغل السطور التالية في رسم "خارطة طريق" لكيفية السلوك المتوقع لحزب الله، من خلال سرد قائمة بالحوافز والكوابح تجاه أي خيار يحدده الحزب وحلفاؤه في المنطقة..
أولاً: حتمية الرد
يظهر الدافع الأول لرد الحزب عموماً وحسن نصر الله خصوصاً على العملية الإسرائيلية، فمصداقيته تبدو على المحك، خاصة وقد فقد الرجل كثيراً من بريقه الشخصي وكاريزماتيته القيادية بعد تورطه في المستنقع السوري، وتآكلت مساحة كبيرة من شعبيته التي تحصل عليها عقب حرب 2006 ضد (إسرائيل).
دافع ثان متعلق بالصعيد الإقليمي، حيث يبدو الحزب بحاجة لمواجهة "محدودة" مع (إسرائيل) تزيل عنه أدراناً لحقت به بسبب تدخله في الملف السوري بجانب النظام، مما أضر بسمعته كثيراً.
عند الحديث عن شبكة التحالفات السياسية، يبزر الدافع الثالث لرد حزب الله، حيث لوحظ مؤخراً ضخ واضح لدماء جديدة في شرايين علاقته بحركة حماس، ويدرك العالمون ببواطن الأمور أن الحزب كان له دور كبير في جسر الهوة بين مواقف الحركة وطهران "الأخ الأكبر"، وقد دأب الحزب وقادته في الآونة الأخيرة على تكرار عبارة "تكوين جبهة صد ضد العدو الإسرائيلي"، في نسخة محدثة من محور الممانعة.
لكن حماس قد لا تبدو متشجعة لفتح جبهة موازية ضد (إسرائيل) جنوباً في غزة، إذا ما قدر للجبهة الشمالية أن تشتعل في لبنان، رغم أن ذلك أمنية لا تقدر بثمن من قبل الحزب.
دافع رابع قد يستبعد قليلاً لكنه حاضر عند اتخاذ القرار بالمواجهة المفتوحة مع (إسرائيل)، ويتعلق باقتراب المفاوضات النووية الإيرانية مع القوى العظمى، فربما تحتاج طهران "حرباً تحريكية" في الإقليم، تستخدم فيها قوتها "الخشنة" متمثلة بحزب الله لإيذاء (إسرائيل)، الطفلة المدللة للغرب في المنطقة.
العامل السوري قد يشكل دافعاً خامساً يحث الخطى قدماً نحو رد قادم من حزب الله ضد (إسرائيل)، فلا أحد يشك بتوفر رغبة سورية عارمة بتأخير تصدر أحداث الأزمة السورية لأجندة صناع القرار الإقليمي والدولي!
ثانياً: فرضيات التريث
مقابل تلك الدوافع والحوافز التي تشجع حزب الله للرد على عملية الاغتيال الإسرائيلية، تتزايد أمامه الكوابح والمحاذير التي تطلب منه التريث والتأني، بل والعد للعشرة قبل إطلاق أول قذيفة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة.
لعل أول هذه المحاذير أن الحزب يدرك تماماً أن قدراته التسليحية، على تناميها وتعاظمها، لكنها مستنزفة فعلياً من الناحية العملياتية واللوجستية في مختلف الجغرافيا السورية، صحيح أن قراراً ميدانياً من القيادة العسكرية للحزب يشبه استدعاء الاحتياط في الجيوش النظامية قد يعيد جميع مقاتليه لقواعدهم في الجنوب اللبناني، لكن ذلك يتطلب تأهيلاً وترميماً سيستغرق وقتاً ليس هيناً..
كابح ثان قد يحول بين الحزب وذهابه لتصعيد مع (إسرائيل) يتعلق بأن جبهته الداخلية ليست فقط غير متفقة معه بالكامل على هذه المواجهة، كما حصل إبان حرب 2006، وانقسام اللبنانيين بين مؤيد ومعارض، بل إنها اليوم تشكل خاصرة ضعيفة باتجاهه، في ظل ما يعتبره لبنانيون كثر أن الحزب أصيب بهذه الخسارة الفادحة باغتيال قادته لأنه تواجد في المكان الخطأ، فما الذي دفعه لإرسال مقاتليه وعساكره للقنيطرة السورية، في معركة لا ناقة فيها ولا جمل لأي من اللبنانيين؟
العامل الإسرائيلي الداخلي، والموسم الانتخابي حامي الوطيس، قد يشكل كابحاً ثالثاً أمام حزب الله في عدم استدراجه لما قد يراه "فخاً" إسرائيلياً مكلفاً هذه المرة أكثر من حرب تموز، ويدرس بعناية الاستقطابات الإسرائيلية التي أعقبت انتهاء حرب غزة، وقد يبدو أكثر ذكاءً بعدم تحوله حطباً في وقود الدعاية الانتخابية.
ثالثاً: خيارات الفعل
تسمح لنا قراءة الواقع السياسي المعقد في لبنان بترجيح خيار أول يتمثل بأن يجتهد حزب الله كثيراً في تحييد الساحة اللبنانية عن رده المفترض، لأكثر من سبب ذكر آنفاً، لكن الحزب لا يمتلك "بوليصة تأمين" تجعله يثق بأن (إسرائيل) لن ترد عليه خارج الأراضي اللبنانية، من باب تدفيعه ثمناً شعبياً أكبر.
خيار ثان يتزايد يتمثل بأن تشكل الحدود السورية ساحة الرد القادم من قبل حزب الله، على الأقل من باب التذرع بأن الأرض السورية شهدت اغتيال قادته، وبالتالي الانتقام من (إسرائيل) يأتي من ذات البقعة الجغرافية.
الخيار الثالث الذي تبدو كلفته أقل من سابقيه في رد حزب الله يذهب بعيداً نحو الأهداف اليهودية والسفارات الإسرائيلية في قارات العالم الست، وقد كشف النقاب في السنوات الماضية عن خلايا عسكرية نائمة للحزب في بعض دول العالم، لا سيما أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.
أخيراً.. حزب الله في وضع لا يحسد عليه البتة، فقد خسر ثلة من قادته العسكريين على حين غرة، وقد يجد صعوبة في تسويق فرضية "الرد على طبق بارد" بين مناصريه.
قيادة حزب الله تبدو، وقد أسقط بين يديها حادث الاغتيال الجماعي، كمن أدخل حبة بطاطا ساخنة في فمه، فلا هو قادر على ابتلاعها لتحرق جوفه، ولا على إلقائها خارجه فتصيب بعضا من ثيابه، مما سيجعله واثقاً كل الثقة أن يناير 2015 سيشكل محطة فاصلة في تاريخ مواجهته مع (إسرائيل)، لتبدو حرب 2006 بروفة مصغرة عما قد ينتظر الجانبين إن أطلق أحدهما القذيفة الأولى باتجاه ساحة الآخر!