دروس العشق بين أطفال مدارسنا الابتدائية

نشر 19 يناير 2015 | 06:01

فوجئت المعلمة “أماني” 46 عاماً والتي تعمل في إحدى المدارس الابتدائية المشتركة في مديرية تربية وتعليم غرب غزة قبل نحو أسبوعين لدى دخولها الفصل الثاني بشجار عنيف بين اثنين من الطلاب الذكور في الفصل، فصلت المعلمة بينهما بصعوبة، لكن أحدهم طلب منها تمزيق ورقة مع غريمه وإلا “كسر رأسه”، استغربت المعلمة من حديثه، فطلبت من الآخر أن يُعطيها تلك الورقة، فكانت المفاجأة!!.1

 

لقد كتب الطالب في الورقة رسالة غرامية لزميلةٍ له في الفصل، طالباً منها ألا تتزوج إلا به، فهو يعشقها ولا يتصور بأن زميله الذي تشاجر معه يمكن أن يقترن بها، المعلمة تلعثمت وهي تقرأ كلاماً لا يجرؤ عليه أطفال في هذا السن. اثنين من الطلبة في فصلها يعشقون الطالبة الأولى في الفصل.

 

قامت المعلمة بإرسال الطالبين للمرشدة الاجتماعية في مدرستها، فكانت الآنسة “تغريد” تستمع وهي في قمة الاستغراب عن فصول عشقٍ يجري بين ظهورهم بينما هم غافلون. أما عن سبب قيام الأطفال بفعلهم ذاك، فقد مثل هو الآخر قمة الاستغراب لتلك المرشدة التي وجدت بأن أولئك الأطفال اعتادوا على مشاهدة مسلسل لبناني يحكي نفس القصة بين طلبة إحدى الجامعات، الأمر الذي دفعهم لإعادة صياغة التجربة، والمفاجأة كانت حينما أقر الطالبان بأن المشاهدة تتم بحضور ومشاركة الأم والأب وباقي الإخوة.

 

وفي الصف الثاني في إحدى مدارس مديرية شرق غزة وقعت قصة أخرى، وبأسلوب مختلف قليلا، لكنه في النهاية أدى إلى ذلك “العشق الطفولي”، فقد فوجئت السيدة “أم محمد” بورقة في حقيبة ابنتها وقد خطت عليها زميلتها كلمات كان نصها “… يا روحي يا راس قلبي. انت عسل. انت عريسي الحلو. أنا بموت فيك”، وقد كانت الكلمات مرسلة إلى ابنها، وحينما سألت ابنتها كيف عرفت تلك البنت اسم أخيها، قالت بأنها تذكر أسماء أشقائها أمام زميلاتها في المدرسة، وفوجئت بزميلتها تُعطيها تلك الورقة في ذلك اليوم وتطلب منها إرسالها لشقيقها الأكبر “محمد”.

 

تم تحويل الأمر للمرشدة الاجتماعية وبدأت رحلة طويلة من التحقيق لتصل بعد عدة أيام إلى الحقيقة المُرة، فتلك الطفلة تسكن في بيت أسرة ممتدة وفيها يسكن عائلة خالها، حيث خطبت ابنة خالها، فكانت تلك الطفلة تسترق النظر والسمع كلما جاء الخطيب لزيارة خطيبته، حتى إذا ما كان يوم العرس حضرت “عُرسا مميزاً” تخلله أغاني خادشة للحياء وملبوسات ليست بملبوسات ومكياجات ورقص للنساء مع العريس، بل وقبلات حارة من العريس للعروس، فتقول الطفلة: أنا شفتهم فرحانين وهما بيعملوا هيك، فحبيت أعمل زيهم.

 

هذه حقائق ذكرتها وأسماء أصحابهم كلها مستعارة بعد أن طلبت الإذن منهم، لكن السؤال: هل هكذا تكون التربية لأبنائنا الذين سنعتمد عليهم ليكونوا رجال وسيدات المستقبل المشرق لوطننا المحتل؟ وإذا لم يجد الطفل الرعاية في بيته الذي من المفترض بأنه المكان الآمن له ولتربيته فأين سيجد الرعاية؟ ومن أين سيحصل على التربية المنشودة؟.

 

أيها السادة والسيدات: لقد قرعت الجرس قبل فوات الأوان. إن الجيل الذي نقوم بتربيته أمانة في أعناقنا، وقبل أن نقوم بتوفير الطعام والشراب لهم فالمطلوب توفير حاجات الروح، وإن الشجرة من الممكن أن نقوم بتعديل نموها إن كانت صغيرةً، لكن إن اشتد عودها فلن نفلح في ذلك، ولن نجد أنفسنا إلا ونحن نعض أصابع الندم في تركنا لسفينة أبناءنا تمضي في هذه الحياة دون أن نقودها إلى بر الأمان، إلى شاطئ يصلون إليه ويكون من يسكن فيه من البشر الأسوياء، وليس من الآفات التي تنخر في مجتمعاتها.