لست أدري، وهو تساؤل تكرر في مقالاتي، لماذا يهاجم الرئيس محمود عباس حماس دائما من مصر، ومن خلال الإعلام المصري؟! يمكن لعباس أن يهاجم حماس من المقاطعة في رام الله مثلا، ومن خلال الإعلام الفلسطيني، وتلفزيون فلسطين، ويمكنه أن يهاجمها من خلال الإعلام العبري الذي اعتاد أن يلتقيه، أو من خلال أي عاصمة أوروبية، ومن خلال الإعلام الأوروبي الأكثر مصداقية ودقة، والأوسع انتشارا؟! الرئيس المبجل لا يحلو له مهاجمة حماس إلا من خلال مصر، ومن خلال الإعلام المصري، فلماذا؟!
قد يذهب بعض المحللين إلى القول بأن الرجل بلغ أرذل العمر، ودخل في مرحلة الزهايمر والتخريف، لكونه مأزوما بتعدد الأزمات التي يعاني منها، ومع اقتناع أصحاب هذا الرأي بتحليلاتهم للحالة النفسية لرجل بلغ ثمانين خريفا، وما زال متمسكا بالدنيا تمسك ابن العشرين ربيعا، فإني لا أوافقهم على ما يقولون، والتمس تحليلا آخر يعتمد على النص، أعني على مضمون تصريحه بغض النظر عن العمر وعن الحالة النفسية.
نص التصريح في ( بوابة الأهرام( الذي نشر أمس الأحد، ونقلته وكالات متعددة، يقول فيه: ( إن حماس وافقت على مشروع أيجور أيلاند، القاضي بإقامة دولة فلسطينية في غزة، وأجزاء مقتطعة من سيناء، في مقابل أن تتخلى حماس عن القدس، وعن حق العودة، وإنهاء القضية الفلسطينية! ، ويقول : إن معلوماته تقول إن حماس وقعت على المشروع؟! ويقول: إن محمد مرسي وافق هو أيضا على المشروع، وكان ينتظر التوقيت المناسب للتنفيذ؟! ويقول: إن عبد الفتاح السيسي رجل وطني وأبلغني أنه يرفض إعطاء سنتيمتر واحد (لإسرائيل) أو لحماس؟! ثم يقول عباس عن نفسه: وأنا أبلغته أنني أرفض هذا أيضا؟(
بعض الوكالات المحلية التي تطبل لعباس في نظير ما تتلقاه من مساعدات مالية قالت عن التصريح: هذا تفجير من العيار الثقيل؟! مع أن التصريح تافه، وكاذب، والوكالات تعلم جيداً ما فيه من كذب، وتخريف ؟! ومع ذلك لا شأن لي بالوكالات، وأعود إلى الإجابة عن سؤال لماذا من مصر؟! وهنا أقول : إن عباس يريد ثلاثة أمور تلتقي عند نقطة مركزية واحدة.
الأمر الأول - هو يريد مهاجمة حماس، والتشهير بها وبوطنيتها في الساحة الإعلامية المصرية، وبالذات في الإعلام المعادي لحماس والإخوان، وتزويد الإعلام المصري بمادة إعلامية لمواصلة الهجوم على حماس، لإضعاف حاضنتها في الرأي العام، وهنا يستحل عباس الكذب، ويقدمه بشكل من يملك المعلومة والحقيقة؟! ولو كان المحاور الإعلامي صحفيا غربيا في صحيفة مرموقة لضايقه في الأسئلة التي ستكشف كذبه لا محالة، لذا فهو يلجأ للإعلام المصري، دون الإعلام العالمي.
الأمر الثاني- إنه يريد مهاجمة الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم الرئيس المعتقل محمد مرسي، وينسب له الموافقة على ما يسميه مشروع أيلاند، وتقديمه بصورة الرجل الذي يفرط بسيناء لصالح اليهود وحماس ؟! دون أن يقدم دليلا مقنعا، ودون أن يتمكن الرئيس محمد مرسي من الرد بسبب الاعتقال ؟! إن هذا التصرف الغادر الذي لا توجد فيه ذرة وفاء، أو أمانة، لا تتقبل الصحف الغربية نشره دون ملاحقة بالأسئلة الكاشفة عن الحقيقة وعن الأدلة، وهذا الواجب المهني لا يقوم به الاعلام المصري.
والأمر الثالث- إن عباس يخص مصر، وإعلامها بالهجوم على حماس، وعلى الإخوان معا، لكي ينال رضا وثقة عبد الفتاح السيسي، الذي يقرب منه دحلان ويعتمد عليه، وعباس عنده عقدة نفسية اسمها دحلان، وهو يرى في هجومه على حماس، وعلى محمد مرسي، والإخوان، ما يرضي غرور النظام في مصر، لذا فقد تكرر اختياره مصر وإعلامها لهذا الهجوم، القائم على الحقد، والكذب، والكراهية.
ثم تخيل بربك عباس، ( مهندس أوسلو، وعباس عشرين سنة مفاوضات، وعباس الذي قبل بالمستوطنات، وبتبادل الأراضي، وبالتنازل عن حق العودة من خلال مقولته المضللة - حل متفق عليه؟!) تخيل هذا، وقل هذا هو الرجل الذي يتهم حماس بالتنازل عن القدس، وعن حق العودة؟! أيعقل هذا؟! حماس التي ما زالت تحمل البندقية وتعاني الحصار، وهي على قائمة الإرهاب بتهمة أنها تدعو لإزالة دولة الاحتلال. تخيل هذه الحركة تقبل بدولة في غزة وسيناء، بينما (الوطني الكبير محمود عباس يرفض ؟! ) . كنت أعلم أن عجائب الدنيا سبعة، غير أني أكتشف أنها أكثر من ذلك، وأنها تتزايد في بلدنا فلسطين التي أضرها قادتها كما أضرها غيرهم ؟!