الاعتذاريون ومزيد من الاتهام

نشر 14 يناير 2015 | 05:40

المسلمون أو المسلمون أو المسلمون هو الجواب والخيار الوحيد في السؤال عن المتهم في أي حادث ولو كان عرضيا في أوروبا، بل ولقد أصبح البحث عن الشبهة «الإرهابية» قبل البحث عن الشبهة الجنائية، وكأن المجتمعات الغربية لا تعرف العنف ولا الجرائم الا اذا كان للمسلمين بصمتهم في الساحة، بل لقد أصبحت التهم جاهزة للإعلان قبل اكتمال عناصر التحقيق وجمع الأدلة، ومعظم وسائل الاعلام تساهم في تأجيج ضبابية المشهد والنفخ في سعار المواقف المتطرفة، مع او ضد، وتشكل رأيا عاما ضاغطا ومتناغما مع عموم المواقف السياسية الرسمية الغربية ضد الاسلام، وتسوق الشعب الا من قلة من المنصفين وراءها كالقطيع، والمشكلة في حالة الاسلام أن أخطاء الأفراد دائما محسوبة على الدين، والغرب ليس بحاجة ان يحك جربه حادث او موقف جديد فاليمين المتطرف، دينيا وقوميا، الذي ينمو فيه، يبتهل لمثل هذه الحوادث ليربط بينها وبين العرب والمسلمين والارهاب في سلة واحدة دونما تمييز ولا انصاف، وتنتقل التهم من الافراد الى النص وتتوجه أصابع اللوم الى الدين والقرآن كشريعة محفزة على ما يسمونه بالارهاب وتقدم القراءات المجتزأة والمحرفة عن سياقها!

وكالعادة ينطلق ردنا دائما من موقف الضعف واليد السفلى ونبادر الى الاقرار والاعتذار ومحاولة تبييض الصفحة والمواقف المساندة، وكلها مبالغات غير رشيدة تلصق بنا الجرم مزيدا وتوكيدا!

لا نقلل أبدا من التعدي على سيد ولد آدم صل الله عليه وسلم ولكن هذه الحوادث يحب ان تدرس في سياق متصل من الحرب على الاسلام أولا،

ومحاولة شيطنته بكافة الوسائل، بل واستفزاز المسلمين في بلادهم ودمائهم واعراضهم وأموالهم، ثم في الاسباب وراء اعادة تكرار ذات الجريمة بعد الحلقة الاولى في الدنمارك، ثم في التوقيت وتزامنه مع موجة تغييرية شعبية تعاطفية مع العرب وقضاياهم!

ثم مكان الجريمة، فرنسا، البلد التي نبذت دينها قبل ان تسيء للاديان الاخرى، وخنقت آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، وصورت العداء للدين والتزام العلمانية المطلقة كركن من اركان الحرية، وإنا اذ لا نبرئهم من كل أشكال الجرائم ضدنا في الماضي والحاضر، غير ان الرد عليها لا يكون بهذا التطرف الذي يزيد الطين بله، وكان الاجدر ان نتعلم من تجربة الدنمارك ان تغيير القناعات نحو الاديان لا يأتي بسيف مسلول على الرقاب، وانما بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى، ولعل ازدياد عدد المسلمين بعد جريمة الرسوم المسيئة في الدنمارك خير دلالة على ان الجهود الشعبية المتواضعة في تسويق سماحة الاسلام يمكن أن يأتي بنتائج لا تأتي بها فوهة البندقية او المدفع.

قد يقول البعض ان هذا موقف الضعيف المتخاذل الذي لا يستطيع الرد بالمثل غير ان سيرة الرسول صل الله عليه وسلم هي الدليل انه عليه السلام لم يقتص لنفسه في الوقت الذي كان جبريل ينتظر أمره ليغلق الجبلين على اهل مكة، بعدما أوغلوا في إيذائه بل كان امله ان يخرج الله من أصلابهم من يوحده، أحب من الاقتصاص لنفسه، فهل نحن احرص على كل أركان الدين وما يتصل به أكثر من رسول الله، وهل سنكون قضاة في الوقت الذي تغيب فيه جميع اركان الحكم الاسلامي والدولة ووجود القاضي العدل؛ الذي يحكم ويجرم والحاكم الذي يصدر القرارات؟ لقد علمنا الله سبحانه وتعالى الصبر على هذه المواقف مع استمرار الاحسان حتى انه ربطها بجلاله؛ فجاء في الحديث عن النبي» ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم»، فلماذا لا يأخذ اصحاب التفسيرات المغلوطة والمتطرفة للدين بنهج الرحمة والامهال الرباني والنبوي ويتعمدون نهج الكي والنبذ القاطع الذي اشار له الكتاب في حالات مخصوصة ومحصورة؟! لماذا لا ينظرون الى البشرى النبوية المستقبلية في الفتح السلمي لبلاد اوروبا فيعملون لتحقيقها بالوسائل المناسبة لذلك من النشر وتكثير الاتباع والانصار؟!

ثم لماذا نلوم الغرب وفي بلداننا من يسجن ويغرم من يصلي على النبي او يضع ملصقا يذكر الناس بذلك؟ اليس الاقربون من العرب وبلاد المسلمين اولى بالامر والنهي والزجر من هذه الجماعات ان كانوا فعلا اهل حمية وحرص؟! ام ان بيوتنا تنضح بالعفن ثم نأتي لنحاسب الجيران؟!

لقد كفى الله رسوله المستهزئين كما جاء في التنزيل ثم صرفه عن الالتفات اليهم والانشغال بهم بعد ان ضاق صدره بافتراءاتهم ووجهه ووجهنا فقال سبحانه بعد ان ذكر موقفهم ودله على العلاج «فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» علاج في جزء منه شعائري ليضمن هدوء القلب وسكونه واستقامة الفكر، وعلاج عملي بمفهوم العبادة التي تنتظم حياة المسلم من ولادته حتى موته، ولو كانت بلزوم الدور او بابتسامة في وجه جار او باحسان في عمل يقوم به مسلم في بلاد الغرب والغربة، مقدما نفسه دليلا حيا على عظمة هذا الدين.

لقد بشر بديع الزمان النورسي العالم التنويري الذي عايش انهيار الخلافة الاسلامية وسطوع نجم العلمانية التي شنقت من يطالبون برفع الاذان وقراءة القرآن فقال»ان اوروبا حبلى بجنين الاسلام وستلده يوما ما».

فهلا عملنا ودعونا بالحسنى لمثل هذا اليوم؟!

ذلك الرد الذي ينتظره منا نبي الرحمة أن نعلم الناس، لا أن نحاسبهم على أفعال الجهالة!