شيطنة أردوغان ومحاصرته على الطريقة الإسرائيلية

نشر 06 يناير 2015 | 09:36

لا يكاد يمر يوم دون أن تحرص إسرائيل على تسريب ما تعتبره "دليلاً" على التوجهات "الإرهابية" للدولة التركية في عهد طيب رجب أردوغان. فمشاركة رئيس الوزراء التركي أحمد اوغلو في حفل نظم في إحدى المدن التركية، وشارك فيه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، يتحول إلى حدث الساعة لكثير من وسائل الإعلام الصهيونية، على الرغم من الحملة الانتخابية. ولا يكاد يمر يوم دون أن يتم الزج باسم صالح العاروري، عضو المكتب السياسي لحركة حماس المتواجد في أسطنبول، ونسج القصص عن دوره في التخطيط لعمليات تستهدف الوجود الصهيوني في الضفة الغربية. في الوقت ذاته، يتم تسليط الأضواء على كل كلمة تصدر عن أردوغان، سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والصراع بشكل عام. وإذا لم يتم العثور على ما يمكن به مهاجمة أردوغان يتم التركيز على مواقفه من قضايا عامة، مثل إعلانه رفض تحديد النسل وغيرها من قضايا وتضخيم الاستغراق في دلالاتها، مع العلم أن إسرائيل تحارب الدعوات لتحديد النسل وتعتبره خطراً ديموغرافياً فظيعاً. وتحاول إسرائيل أن توظف كل ما تقدم من أجل تقديم مسوغات للغرب تبرر المطالبة بطرد تركيا من "الناتو". لكن تبين أن إسرائيل تلجأ إلى وسائل أخرى لمعاقبة تركيا. فقد تبين أن الصهاينة يحرصون على محاصرة الأتراك عبر تعزيز العلاقة مع خصومهم في دول البلقان. فعلى سبيل المثال تعكس المناورات التي جرت مؤخراً والتي شارك فيها سلاحا الجو لكل من إسرائيل واليونان أحد مظاهر الشراكة الإستراتيجية الآخذة بالتعاظم بين إسرائيل من جهة ودول البلقان، وعلى وجه الخصوص اليونان، مع العلم أن اليونان دولة عدو لتركيا. في إسرائيل يزعمون أن تعزيز العلاقات مع دول البلقان لتعويض ما فقدوه بعد تدهور العلاقة مع تركيا. فعلى مدى عقود سمحت العلاقات القوية بين إسرائيل وتركيا لسلاح الجو الإسرائيلي من استغلال الأجواء التركية الشاسعة في التدريب على تنفيذ مهام خاصة في بيئة مثالية، وهو ما لم يعد يتمتع به هذا السلاح، الذي يوصف بأنه "الذراع الطويل والقوي" لإسرائيل. إن إسرائيل التي تضع في حسابها إمكانية قيامها بقصف المنشآت النووية الإيرانية، سيما في حال أسفرت مفاوضات جنيف بين إيران والدول العظمى عن اتفاق لا يلبي المصالح الإسرائيلية، معنية الآن وأكثر من أي وقت مضى باستغلال المجالات الجوية لدول أخرى لتدريب طياريها على هذه المهمة، وفي ظروف طبوغرافية تشبه إلى حد كبير الظروف الطبوغرافية لإيران. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإسرائيلية عادة ما تسخر من "الأثر المتواضع" للدبلوماسية الإسرائيلية في عهد أفيغدور ليبرمان كوزير للخارجية، إلا أنه هو تحديداً الذي قاد التوجه لتطوير العلاقات مع دول البلقان، للرد على تدهور العلاقات مع تركيا. وعلى الرغم من الأهمية التي تنظر بها إسرائيل للعلاقات مع جميع دول البلقان، إلا أنها تستثمر جهوداً كبيرة لتطوير علاقاتها مع اليونان، على وجه الخصوص.

إن المؤسسة الأمنية والعسكرية اليونانية مارست ضغوطاً كبيرة على المستوى السياسي في أثينا للتعاون مع إسرائيل بعد توتر العلاقات بينها وبين تركيا، بسبب الصراع المتواصل بين الدولتين الجارتين حول مستقبل جزيرة قبرص. إن نقطة التحول الفارقة في العلاقات بين إسرائيل واليونان، التي كانت من الدول القليلة في أوروبا التي تتخذ مواقف متعاطفة مع القضية الفلسطينية، قد حدثت في مايو 2011، خلال اجتماع سري عقد بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الوزراء اليوناني السابق يورغوس بباندريو على هامش زيارة الأخير لروسيا. لقد وافق بباندريو خلال هذا الاجتماع على طلب نتنياهو فتح المجال الجوي اليوناني أمام الطيران الحربي الإسرائيلي للتدريب. وقد كشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" في 25 فبراير الماضي النقاب عن أن إسرائيل أجرت اتصالات لاستئجار جزيرة يونانية بغرض توظيفها لإجراء تدريبات عسكرية بحرية وجوية. ويرصد المراقبون في إسرائيل أن تطور العلاقات بين إسرائيل واليونان وجد تعبيره بشكل واضح وجلي في الكيمياء الشخصية التي تجسدت بين كل من نتيناهو وبباندريو، حيث إنهما كانا يجريان اتصالات تليفونية بشكل أسبوعي. وقد حذت دول أخرى في البلقان حذو اليونان، مثل رومانيا، التي سمحت لسلاح الطيران الإسرائيلي باستغلال قواعد سلاح الجو الروماني في إجراء التدريبات. وبعد عامين على إجراء هذه التدريبات أوقف سلاح الطيران الإسرائيلي طلعاته في الأجواء الرومانية، بعد تحطم مروحية عسكرية إسرائيلية ومقتل أفراد طاقمها الخمسة، الذين كان من بينهم قائد سرب مروحيات مهم في السلاح.

ولا تنحصر الشراكة الإستراتيجية بين إسرائيل ودول البلقان في جانب التدريبات العسكرية، بل تعداه إلى مجال تكثيف التعاون الاستخباري. وعلى الرغم من أن إسرائيل عادة ما تحيط تحركات قادة الموساد بسرية تامة، إلا أن ديوان رئيس الوزراء البلغاري بويكو بورويسوف اختار أن يعرض صوراً في مارس 2011 يظهر فيها بورويسوف، وهو يلتقي برئيس جهاز الموساد في ذلك الوقت مئير دجان.

ويجاهر نحجال جانلر السفير الإسرائيلي السابق في صوفيا بالقول إن هناك دورا واضحا وقويا للعوامل التاريخية والثقافية والدينية في تحفيز دول البلقان على تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، بعد تدهور العلاقات مع تركيا. وحسب جانلر فإن معظم دول البلقان تكن مشاعر معادية لتركيا، حيث أنها وقعت تحت الحكم التركي المباشر لأكثر من خمسة قرون في أثناء عهد الخلافة العثمانية. ويشير جانلر إلى أن تنامي الإسلامفوبيا في أوروبا جعل الكثير من النخب في أوروبا تشعر بتضامن مع إسرائيل في مواجهتها العالم الإسلامي، وضمنه تركيا.

قصارى القول، الصهاينة يخرجون عن طورهم في استنباط الوسائل الكفيلة بإحكام الحصار على تركيا لدفعها لتغيير سياساتها وخياراتها، وكلما يأسوا من ذلك أصبحت وسائلهم أكثر فجاجة وقبحاً.