لا أحد ينكر وجود ثورة سورية ضد النظام ، ولا أحد ينكر أنها الثورة الأطول، والأكثر ضحايا، ولا أحد ينكر أنها الثورة الأكثر غموضا حتى الآن في مآلاتها، وهذا يعود إلى أنها لم تعد ثورة شعب أو قطاع كبير من الشعب ضد النظام الحاكم فحسب، حيث باتت الحالة السورية بلا جدال صراعا إقليميا ودوليا بالوكالة على الأرض السورية أيضا. أو قل بعبارة أخرى: لقد نجحت الدول الإقليمية، والدولية، في استثمار الأوضاع السورية، واستثمار ثغرات الصراع الطويل للتدخل المباشر وغير المباشر فيه، وتحويل الحالة السورية لصراع نفوذ ومصالح إقليمية ودولية.
ففي سوريا مثلا صراع على النفوذ بين روسيا وأميركا، وثمة صراع آخر بين إيران وحزب الله من ناحية، والدول العربية الإقليمية التي تؤيد فصائل الجيش الحرّ من ناحية أخرى. وثمة صراع بين دول عربية غنية وتركيا في حقل الثورة السورية، وصراع آخر بين تركيا وأميركا في كيفية التعامل مع النظام السوري، ومع المسألة الكردية، وقد برز ذلك الصراع جليا في مطلب تركيا بمنطقة آمنة وحظر طيران، ورفض أميركا لهذا المطلب، ورفض تركيا الانضمام إلى التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
إننا إذا تعمقنا الموقف التركي الإقليمي وجدنا أن تركيا في صراع مع السلطة القائمة في مصر، وهي في هذا داخلة ضمنًا في خلاف مع الموقف السعودي والإماراتي، وفي الوقت نفسه تخشى تركيا من المعلومات التي تشير إلى أن أميركا والسعودية والإمارات تتجه نحو تغيير موقفها من النظام السوري، باتجاه قبول بقائه بشروط إقليمية وأميركية، باعتبار أن بقاء النظام السوري يعزز محاصرة تركيا ، والضغط عليها لتغيير سياستها الإقليمية، وتقبل الواقع في مصر، وتقبل النفوذ الخليجي الإقليمي، كما تقبلت قطر إغلاق الجزيرة مصر مباشر، وتقبلت تطبيع علاقتها مع القاهرة. وهذه السياسة تعد في نظري من هندسة السياسة الإسرائيلية قبل غيرها، باعتبار أن تركيا أردوغان تقف في حالة مواجهة مع (إسرائيل).
إن القلق التركي كان فيما يبدو في خلفية الانتقادات التي وجهها أردوغان مؤخراً, لدول الغرب التي تتحدث كثيرا عن الديمقراطية ، ولكنها في الوقت نفسه تعمل عكس ما تقول وتدعم الدكتاتورية وتعترف بمن انقلبوا عليها في مصر، وانتقدهم في موقفهم من كوباني المدينة السورية التي يسكنها الأكراد، بينما يهمل حلب التي تتعرض للإبادة والتدمير.
القلق التركي لا يقف عند الحالة السورية القائمة الآن، ولكنه يخشى مآلات السياسة الحالية للغرب وأميركا من ناحية، وسياسة دول الإقليم المتحالفة مع الغرب وأميركا من ناحية ثانية، لأمرين : الأول بقاء النظام السوري في الحكم. والثاني اقتراب بداية تنفيذ مشروع الدولة الكردية التي تضم أكراد سوريا والعراق وتركيا، وهو هدف قديم للأكراد، ولـ(إسرائيل) ولدول غربية، والآن يلقى تأييدا من تحت الطاولة من دول عربية، و(إسرائيل).
هذا المشروع بطبيعة الحال يحتاج إلى إعادة رسم خريطة سايكس بيكو، وبالتالي فإن هذه الدول التي تؤمن بالمشروع الكردي، تتهم تنظيم الدولة بأنه هو الذي يقوم بإلغاء سايكس بيكو، والحقيقة أن الغرب وأميركا و(إسرائيل) هم الطرف الأقوى الفاعل في عملية التغيير، لأن تنظيم الدولة الذي يهدم سايكس بيكو إنما يفعل ذلك من أجل دولة واحدة يسميها هو الخلافة، وهو لا يقبل بدولة كردية ولا بغيرها.
تركيا تفهم هذا وتراقبه عن كثب، لذا فهي تدير سياسة متوازنة وحذرة جدا داخليا وخارجيا. هذه السياسة هي التفسير الوحيد لانتقادات تركيا الأخيرة لسياسة الغرب وأميركا الراهنة في المنطقة.