وحقق الله قدره بأنثى

نشر 22 ديسمبر 2014 | 05:12

غريبة هي بعض التفسيرات الدينية التي تحصر دور المرأة في البيت والتربية فقط بينما القرآن والسيرة كانا أكبر شاهد على المجال غير المحدود الذي فتحه الله ورسوله للنساء لدرجة تجعلنا نتعجب ونقول أما كان في الأمة رجال يستطيعون أن يقوموا بالمهمة ويسدوا ذات المسد؟! الا أن الله جعل لامائه من المؤمنات خيارات حصرية أو جمعية وأدوارا فردية وجماعية ما بين حسن البر والتبعل وما بين أن يكنَّ في أتون المعمعة يدافعن عن الدين وكرامة الأمة، وها هي ام عمارة تحامي عن رسول الله وحدها جندية مستبسلة فيبشرها بالجنة فتتوهج في ذات اللحظة أنفاس الزوجة والأم وتطلب لعائلتها وأهلها ذات الأجر.

في صفحة سابقة بذات الخطورة في وقتها والدين على المحك وفساد بني اسرائيل بدأ يضرب أطنابه والله يهيؤ القدر لمعجزة وانقلاب يعيد الامور الى نصابها ويمحص الايمان ليستبدل الفاسدين من الامم بغيرهم من المصلحين، في هذا الخضم يصطفي الله عائلة فوق عباده لتحمل راية هذا التغيير ويظهر فضل الاصطفاء عندما نستمع لزوجة عمران تطلق الشرارة الاولى لمشروع التغيير و»تهديف الانجاب» اي ان يكون للانجاب هدف سام أكبر من التناكح والتناسل، هدف يستحق ان يكون الجيل الناتج منه سببا في الفخر والمباهاة، لم ترد امرأة عمران ان تكون مجرد رحم آخر كأرحام كل النساء، لم ترد ان تكون مجرد مستودع لنطفة اخرى من النطف، هذا يفعله كل الناس، حتى النكرات في تاريخ البشرية، الاصطفاء كان اصطفاء الفهم اولا ثم اصطفاء التنفيذ ثانيا، هذه العائلة فهمت دورها في تاريخ العائلات التي جعلها الله قدوة للعالمين فطفقت الأم توظف كل مقدرات الاسرة لخدمة غرض الاصطفاء وكان أول ما تحت سلطتها هذه النطفة في رحمها فقدمت بيعها لله «رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم» ربِ، لك، بطني ومني» دعاء يحمل أشد كلمات الخصوصية في العلاقة مع الله واعلى اشكال التجرد لامضاء هدف يكون منه خدمة رسالة عامة ليصب الفردي في مصلحة الأمة

تقبل الله النذر، وكان الجنين المنذور لخدمة بيت المقدس والمسجد الاقصى في وقت كان المكان قد بدأ يموج بفساد بني اسرائيل وزيغهم عن الحق!

وبمنطق هذه الايام نقول ومن أنسب ان يقوم بالمهمة الصعبة في الزمن الصعب من رجل قوي الايمان قوي العزم قوي الشكيمة؟!

ولكن رب العزة اراد ان يحقق قدره بأنثى لتكون أول راهبة تُوهب للأقصى وتكون بوابة المعجزة القادمة وكأنه سبحانه وتعالى يخبر عباده ان الرسالات العظيمة والرجال العظماء لا بد ان يمهروا بختم امرأة عظيمة تفتح لهم المنافذ وتيسر لهم السبل ليخرجوا من رحمها ومن بيتها ومن تحت عينها مزودين بذات أنفاسها وعزيمتها، فجاء عيسى عليه السلام بعد اصطفائين ربانيين لامرأتين، جدته وأمه، كانتا البذرة وهو كان الحصاد، ولولا الجذر المتين لم يكن لفرع أن يكون كلمة طيبة اصلها ثابت في الارض والسماء.

كان اختيار رب العزة لانثى هي مريم اختيار الكرامة والتكريم ولكنه كان ايضا اختيار العلم بالقدرة على سد الثغرة واعطاء النموذج والثبات في الملمات وكان العون على قدر المؤونة فناداها الا تحزن ولو تقوّل عليها الجهلة ولو نالها الاذى فالله ناصرها ولو بعد حين.

روح مريم لم تغادر الاقصى فالله يورث مقدساته لاوليائه في الازمان المختلفة، المريميات اليوم مرابطات قد وقفن أنفسهن للاقصى كما ترهبنت لاجله أمهن سابقا، يدافعن بأجسادهن واصواتهن عن قبلة المسلمين الاولى، لا ينتظرن اذنا من أحد فهن أصلاء وأصيلات في الدفاع عن الاقصى ولسن بديلات للرجال فما جاء عيسى عليه السلام بديلا لدور أمه وما كانت مريم لتحمل رسالة ابنها، ولكنه التكامل في أعظم صوره وأتم أشكاله لا يفهمه جهلة يقولون ولماذا تعرض المرأة نفسها لذلك؟

فحجاب عبير ذياب الذي نزعه الصهاينة هو نفسه خوض بني اسرائيل في عرض البتول، فكان دفاع الله وبراءته ونصره المؤزر لها، فالله يدافع عن الذين آمنوا في كل زمان ومكان، هذا اليقين بالله وذاك النموذج المريمي هو ما يجعل المرابطات المقدسيات يجلسن في الشوارع وعلى الأسوار وبجانب اقرب نقطة من المسجد بعد الابعاد القصري عنه من قبل الاحتلال، لا يخلفن موعد الرباط ولا يجلسن في بيوتهن مرتاحات يقلن قد بذلنا وانتهى، فصاحبة القضية لا تسلم الراية الا مرفوعة، لا توكل احدا ليقوم بمهمتها ما دامت تستطيع ان تقوم بها، لا تعترف بأدوار الكفاية ما دام يمكن لها ان تحرز قصب السبق في اداء فروض العين.

ثم الرسالة الاخيرة لكل رجل يرى مريم تقوم بدورها ثم يجبن او يتخاذل ان يكون لها عيسى فذاك قد أخرج نفسه باختياره من دائرة الرجولة والبر والمجد.

الاحتلال يعلم ان مريم ظهرت من جديد في الاقصى فهو يمارس اقصى درجات الوحشية ضدها فأين عيسى ليدافع عن أمه لتكتمل الاية؟!

صناعة معجزة النصر القادمة لن تكون الا اذا خرجت من أفئدة وعزائم نساء مؤمنات يرين في أنسابهن وارحامهن وعقود زواجهن سببا الى تحرير الاقصى ونصرة الأمة، وقتها سيخرج للامة العمرييون والصلاحييون والحميدييون والقسامييون وأحفاد الياسين فافهمن يا نساء وافهموا يا رجال.