تعتبر (مك كلينتوك) ثالث ثلاثة من رواد علم الوراثة بجانب (جريجوري مندل) و(توماس هانت مورجان THOMAS HANT MORGAN)؛ فأما الأول (ماندل) فوضع قوانين الوراثة الثلاثة عام 1865م، وأما الثاني فاستطاع أن يربط مادياً بين الصفات الوراثية والكروموسومات، ولكن فكرة (مك كلينتوك) كانت عن (حركة الجينات) فهي تقفز من مكانها؛ فتغير صفات المخلوق وهي ما عرفت بـ (الطفرة MUTATION) وهذا قرَّب من فهم نظرية التطور أكثر، عن خلق مبرمج يمشي خلقاً من بعد خلق، يزيد في الخلق ما يشاء.
بقيت (مك كلينتوك) تمارس نشاطها العلمي إلى سن الـ 90، بعمل 7 أيام في الأسبوع، لمدة 12 ساعة يومياً، في عشق لا يذوي من حب المعرفة، في مخبر الربيع البارد (كولد سبرنج) في ولاية نيويورك (COLD SPRING HARBOR LABORATORY).
وصفت السيدة كلينتوك بأنها كانت (ظاهرة إبداعية) تشك كثيراً وتتنبأ أكثر، ووضعت (قوانين الجينات) دوماً تحت وابل من الأسئلة المتشككة، واعتبرت أن الوراثة مازالت حافلة بالأسرار لم تبح بكل ما في صدرها، وكانت محقة في ذلك، عندما تم اكتشاف ظاهرة الطفرة في نبات الذرَة؛ فحققت بذلك أعظم إنجازات القرن.
قالت مك كلينتوك إن الجينات لا تجلس متجمدة كتلاً ثابتة كحبات اللؤلؤ في جيد حسناء، بل هي وبـ (الصدفة) ـ بكلمة أدق ـ بقانون الصدفة تتزحزح من موضعها من وقت لآخر، وبطريقة مجهولة (سنة الله في خلقه) وهو ما يغيّر المعلومات الوراثية، وبهذا الطرح عارضت الجو العلمي جملة وتفصيلاً، بتحدي مسلمة رئيسة من (ثبات) الجينات؟
كانت مك كلينتوك راديكالية ولا تبحث عن المجاملات في العمل العلمي، ومصممة، ووحيدة مما عرضها (كأنثى) أن لا تُفهم وتُرفض في الوسط العلمي وتُتَّهم أنها لا تمشي مع السياق العام، وبقيت أفكارها حول الطفرة لا تؤخذ بعين الاعتبار حتى تقدم اثنان من العلماء (الذكور عفواً؟) وكان ذلك في عام 1961 م حين تقدم ( فرانسوا جاكوب FRANCOIS JACOB& و جاك مونود JACQUES MONOD) بموديل جديد حول توجيه الجينات عند البكتيريا، في مشابهة كبيرة لما طرحته السيدة مك كلينتوك حول نظام الطفرة، وبعد 4 سنوات وفي عام 1965 م نال الاثنان جائزة نوبل عليها؟
لم يستوعب العالم حتى ذلك الوقت الطرح المثير والجريء الذي سبقت فيه (مك كلنتوك) بمراحل؛ فكانت توصف بأنها تستخدم طرقاً بالية قديمة لوضع استنتاجاتها؟
كانت (مك كلينتوك) متفردة باقتناعها، وبحدس خاص، تستخلص عصارات هامة من وحي الكون، تتجلى لها في لحظات العمل المخبري، وتطاول الوقت حتى السبعينيات من القرن الـ 20 حتى بدأت تشد الانتباه بأفكارها، وفي عام 1983 م قبل موتها بـ 9 سنوات، وعمرها يومذاك 81 سنة، منحت متفردة، وللمرة الأولى في تاريخ النساء جائزة نوبل للطب، عن عمل كانت قد نشرته قبل 36 سنة في عام 1947 م . واليوم تعتبر (مك كلنتوك) بجانب (مندل) و(مورغان هنت) أحد الأدمغة الأعظم في علم الوراثة.