في الدول المحترمة والمتقدمة يعرف للسياسيين قدرهم أيا كانت مواقعهم في الحكومة او المعارضة، في اليمين أو اليسار، في جانب الاعتدال او حتى التطرف، في وقت التحالفات او حتى التنافس المحموم يكون الميدان وقناعة الجماهير والبرامج هي ادوات التفوق دون مصادرة حق الخصوم في التواجد والعمل او الرد، ناهيك عن شيطنتهم او سحب غطاء الانسانية والحقوقية عنهم ليصبحوا ذروا في مهب ريح التصفية والاجتثاث، فالسياسي المحنك هو من يعرف قدر خصمه وعدوه، فالخصومة لها مبادئ واخلاقيات وشرف نصت عليها قوانين حقوق الانسان والمواثيق الدولية في حالات النزاع والحروب والخطر.
هذا في التنظير السياسي البعيد الذي لا يشبه دولنا فنحن ندندن اننا اصحاب خصوصية ولكن هذه الخصوصية لا تكون في باب التفوق والتقدم بل في باب الانتهاكات والتراجع! عندها نقفل بيتنا الصغير على انفسنا، ونصير أدرى بشعابنا، ويصبح وضعنا الداخلي خطيرا لا يحتمل قشة تقصمه! نرهن انفسنا للغرب عندما نريد وننصب أنفسنا قدوة في الدفاع عن الانسانية وندخل حروبا تعرضنا للخطر ثم نمارس انتهاك حقوق الانسان على ارضنا وفي وطننا ونصادر الحقوق الاساسية في التعبير والانتماء السياسي!
وفي الوقت الذي توزع فيه صكوك الولاء والانتماء والتقديم وألقاب رجال الدولة لشخصيات ثبت للشعب ضلوعهم في الفساد ورهنهم لمقدرات الوطن ومستقبل أبنائه يتم محاصرته واستهداف رجال لم تشب سجلهم شائبة في خدمة الوطن والمواطنين والحرص على ان يظل الأردن عزيزا كريما مستقلا وآمنا.
كان الأحرى بالدولة ان تفخر بأمثال بني ارشيد حتى لو كان في صفوف المعارضة كرجل صاحب مبادئ، حمل الهم الوطني والعربي والاسلامي وكان يمثل بشخصه وعمله طموحات الكثيرين من الاردنيين في الريادة السياسية وعدم الفصل بين الحالة الاردنية والقضية الفلسطينية وعدم المهادنة في الحق مهما كانت التكلفة وقد دفعها كثيرا استهدافا له ولحياته الشخصية في وقت لا تُحترم فيه الخصوصيات ولا العموميات!
وبالرغم ان الكثيرين من ابناء الحركة الاسلامية يختلفون مع اساليبه وتوجهاته الا اني اشهد له انه يؤثر المصلحة العامة على الخاصة ووحدة الصف على اثبات المواقف وقد حصل هذا عندما تراجع عن ترشيحه لمنصب الامين العام لجبهة العمل الاسلامي في الدورة السابقة خوفا من زيادة الانشقاقات وحرصا على اللحمة الداخلية.
في العرف يقولون «حوّد عن الراس واضرب» ولكن الحكومة واجهزتها أرادت باعتقال بني ارشيد ان تضرب الرأس ضربة موجعة وترسل رسالة حاسمة ان المعارضة ولو بكلمات على موقع تواصل اجتماعي خاص، لم تنشر كموقف عام او بيان او تصريح رسمي، غير مقبولة وأننا يجب ان نكون على قلب حكومتنا في التسبيح والتمجيد والتسحيج لكل ما تراه مناسبا وان نغلق دكاكين الاحزاب ونربط اجهزتنا الالكترونية لاستقبال بيانات الحكومة ومواقفها لترويسها واصدارها بأسمائنا!
عندما استفحلت الحرب على الجماعة في مصر ظهرت على السطح تساؤلات غير بريئة تتوقع ان يكون الأردن هو القادم غير ان التطمينات من النظام سارعت الى النفي والتأكيد ان الحركة الاسلامية بكل أذرعها جزء أصيل وقديم من المشهد السياسي الاردني، وهذا ما كان فتاريخ الجماعة يشهد له كل منصف بالحرص على الوطن وكرامته، ولقد مارست الجماعة على اختلاف العقود ما بين العرفية والديمقراطية اقصى درجات الحكمة وضبط النفس بالرغم من التضييق والاستهداف وكان ذلك واضحا في فترة الربيع العربي الذي لم تركب خلاله موجة التغيير الجذري، الدموي او السلمي، بل عرفت للحالة الاردنية خصوصيتها وطالبت بالاصلاح السلمي للنظام والقضاء على الفساد وتمكين الشعب من الحكم.
كان المصطادون في الماء العكر وما أكثرهم يتندرون بشهر العسل بين الحكومة والاخوان الذي لم يذق الاخوان يوما سوى حصرمه ولم يأخذوا منه سوى السمعة السيئة بالمهادنة والسكوت، اما الحكومة فلم تنظر لهم يوما كشكركاء في الوطن وظلت عيونها مملوءة بالقذى تجاه الجماعة تستخدمها كورقة لتبيض صفحتها وبيان انفتاحها او محاولاتها البائسة في الحوار امام تعنت الجماعة المزعوم!
ولكن يبدو أن بقايا الرشد في مواقع صنع القرار قد انتهت وأصبحوا يضربون في كل الاتجاهات في مزيد من الاضعاف للساحة الاردنية بدل تقويتها ومزيد من رفع وتيرة التحدي وتسخين المواقف غير المبرر في الوقت الذي يحتاج فيه الوطن الى الوحدة والتعاون بين كافة ابنائه واطيافه لتمتين الجبهة الداخلية من اخطار المحيط التي اصبحت على حدودنا!
السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو البديل عندما يتم التضيق وشيطنة حركات الاسلام المعتدلة والوسطية في الأردن؟ هل تكون الحكومة بذلك تدفع الناس دفعا الى التطرف؟!
أصحاب الحلم والمشروع الاسلامي كثيرون، فالأردن بلد متدين بالفطرة بالرغم من كل محاولات المسخ والتغريب، وهؤلاء يبحثون عن راية تظلهم في ميدان الوطن ونخشى ان لم يكن هناك بديل ان تتجذر الرايات السود التي بدأت بالانتشار وعلى الحكومة عندها ان تلوم نفسها فقط على ذلك! ويبقى السؤال: أليس في الحكومة رجل رشيد؟!
أما الرسالة الضمنية لداخل الحركة الاسلامية ان استقيموا يرحمكم الله فالسفينة ليست بحاجة لمزيد من خروق الداخل ويكفيها من يحاول اغراقها كلها. اللهم جنب الأردن السفه والصبيانية والتأجير وبيع القرار وكل أشكال التطرف.