ماذا بعد فقدان مصر لدورها الإقليمي تجاه غزة؟

نشر 29 نوفمبر 2014 | 04:31

المتابع للمتغيرات العربية والإقليمية المختلفة يُلاحظُ بأن الخارطة السياسية في المنطقة العربية تتغير وتتلون بشكل متسارع لا يقبل الانتظار الذي تستغله القوى المُستبدة في العالم لإنجاز ما تبقى من مخططاتها، وبخاصة الغدة السرطانية المُسماة “إسرائيل”، فقد باتت في مراحلها الأخيرة من مخطط القضاء على أي حُلم بإقامة كيان فلسطيني على أرضه المحتلة أصلاً.

 

ولعل من أهم المتغيرات الحادثة على الخارطة العربية، تبدل الإستراتيجيات من الأنظمة الحاكمة تجاه الأطراف المختلفة التي تتقاطع معها، فالذي كان عدواً بالأمس بات اليوم حليفا ومقربا ضد الشعوب التي يحكمونها، ومن كان صديقاً بالأمس أصبح العدو اللدود هذه الأيام، والجانب الأخير من المعادلة بات يسيطر على علاقة النظام المصري الحالي مع شقيقته الفلسطينية من جهة غزة، وهذا يتضح من خلال التالي:

 

منذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية كانت تتعامل مصر مع فلسطين وقطاع غزة ضمن الملفات الأمنية البحتة، فبدلاً أن تتولى متابعة وتنسيق العلاقات بين الدول والشعوب وزارة الخارجية، أودعت مصر الملف الفلسطيني لجهاز المخابرات العامة في إهانة واضحة لعلاقة العروبة والعقيدة بين الجانبين.

بعد فوز حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية النزيهة بشهادة كل الأطراف الدولية في يناير 2016م وما تبعه من حدوث الانقسام السياسي المقصود من أطراف فلسطينية وخارجية، رفضت مصر تدخل أي طرف خارجي لإصلاح ذات البين بين الأطراف الفلسطينية المختلفة وأبقت على الملف في يدها، لكنها ورغم ذلك لم تتعامل مع الملف بنزاهة وشفافية، الأمر الذي أطال سنوات الانقسام إلى هذه الفترة.

خلال سنوات حُكم “حماس” أسرت الحركة الجندي الصهيوني “جلعاد شاليط”، فكان لا بُد من وسيط لتنفيذ صفقة تبادل مقابل هذا الجندي، كررت مصر ذات المشهد فمنعت أحداً من التدخل وأبقت الصفقة في حجرها حصراً، الأمر الذي جعلها تستمر لسنوات لدرجة أن العديد من الخبراء قالوا “لو أن حماس تفاوضت بشكل مباشر مع “إسرائيل” بدلاً من مصر لكانت حققت إنجازاً أفضل كثيراً من ذلك الذي حققته بوساطة مصر”، وعلى الجانب الآخر فالعدو الصهيوني يخترق بنود الصفقة باستمرار وأعاد اعتقال العديد من المحررين ومحاكمتهم ولم تتحرك مصر الراعية تجاه هذه الاختراقات رغم كثرة المناشدات من حركة “حماس”.

في كل الحروب التي شنها العدو الصهيوني تجاه قطاع غزة “باستثناء حرب السجيل التي كانت في عهد الرئيس محمد مرسي” شددت مصر الحصار على قطاع غزة وأغلقت المعابر في وجه الجرحى والمصابين، في تنصل واضح من كل بنود القانون الدولي الإنساني وبخاصة زمن الحروب، ناهيك عن العروبة والقومية، بل ولم تُحرك ساكنا، بينما أعلن العدو الصهيوني الحرب على غزة من القاهرة على لسان وزيرة خارجية الاحتلال “تسيفي ليفني” في ديسمبر 2008م، في لطمة لكل الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية، بل والقومية.

منذ فترة زادت على السنة أطلقت الدبلوماسية المصرية سفلتها والمنحطين عندها من المنسوبين للماكنة الإعلامية، فقاموا بكيل الشتائم وتوجيه الاتهامات بأقذع الألفاظ للشعب الفلسطيني “الشقيق المفترض” ومنحتهم السياسة المصرية غطاء كبيراً لبث الكراهية التي جعلتهم في أكثر من مرة يُطالبون العدو االصهيوني بإبادة غزة، وربما نسوا أو تناسوا أن هذا العدو هو الذي هرب جنود جيشهم أمامه بملابسهم الداخلية واستغاثوا بأهل غزة فأعطوهم الملابس التي تواري عوراتهم.

النقطة الأهم التي يجب ألا تغيب عن بالنا وآن أوان التوقف عن النفاق بشأنها، هو أن مصر هي من تتحمل مسئولية ما جرى لقطاع غزة من احتلال صهيوني امتد لعقود من الزمن، فجيشها هو من هرب من غزة وسلمها للاحتلال، ليتم ترسيم حدود غير حقيقية لها كما هو عليه الحال لحدود قطاع غزة هذه الأيام. دعونا نقول الحقيقية بعيداً عن مجافاة الواقع: إن مصر عليها أن تدفع ثمن تسليمها غزة للعدو الصهيوني.

إن الواقع الذي نعيشه واضح خلاله أن مصر التي كانت تُسمي نفسها “أم الدنيا” قد تخلت عن دورها العربي والإقليمي الحقيقي، بل وأصبحت تُعادي البلاد العربية وترفع من وتيرة علاقاتها التنسيقية والتطبيعية مع الاحتلال الصهيوني، وذلك على حساب شعبها وشعب فلسطين، وهذا الذي اختصره تصريح الرئيس المصري الأخير لوسائل إعلام فرنسية حيث قال: “نحن موجودون في سيناء لحماية أمن (إسرائيل)”.

 

وأمام هذا الواقع الذي نحياه آن الأوان من قبل كل طرف فلسطيني لإعادة إستراتيجية التعامل مع مصر التي باتت “رسمياً” عدواً لفلسطين وغزة، فاستمرار التعامل معها باحترام وطيبة قلب ما عاد مُحتملاً، ويجب التعامل معها بندية كأي رد فعل طبيعي ينتج عن ذلك الشخص الذي يلطمك على وجهك، وغزة التي رفضت الركوع للعدو الصهيوني “رابع قوة في العالم” لن تركع لمصر أو لغيرها وهي بهذه الحالة من العداوة لغزة.