إسرائيل وسؤال غزة- معضلة متجددة

نشر 08 مارس 2008 | 10:31

 

يبدو الجدل شديداً في إسرائيل حول ضرورة وجدوى تنفيذ عملية اوعدوان عسكري واسع ضد قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ من هناك باتجاه المستوطنات والتجمعات الإسرائيلية المحيطة، ثمة أغلبية كبيرة في صفوف النخبة السياسية والعسكرية تؤيد هذه العملية مقابل أقلية صغيرة ولكن متنفذة تطالب بالتفكر وإبداء الحذر وطرح الأسئلة مع عدم الرفض المبدئ للفكرة وأخيراً أقلية صغيرة جداً وما زالت هامشية تعتبر أن ليس من حل سوى التفاوض مع حركة حماس – بشكل غير مباشر – من أجل التوصل إلى هدنة أو وقف إطلاق النار ما يؤدي إلى الهدوء ووقف سقوط الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية.
 
أحداث – تطورات الأسبوع الماضي تعطي فكرة عن طبيعة الجدل حول سؤال غزة، الوزير مئير شطريت مثلاً والذي يؤيد مبدئياً التفاوض مع حماس قال إن  اردنا الوصول إلى مفاوضات من مركز قوة فلا بد من توجيه سلسلة ضربات قوية إلى الحركة تشلها وتضعف قادتها حتى يصلوا إلى طاولة المفاوضات منهكين بلا مزايدات  ولا مطالب مبالغ فيها.
 
غير أن الأهم يكمن في تصريحات الجنرال اسحق غيرشون القائد السابق للجبهة الداخلية والذي قال خلال الذكرى السنوية لمقتل ضابط إسرائيلي برتبة رائد الحكومة تتأتى وتتردد زيارة عن الحد المعقول فى إطلاق أيدي الجيش ليعمل ما يعرف عمله في أرض العدو، إن التردد الذي تبديه الحكومة إزاء اجتياح قطاع غزة يشبه إلى حد كبير التسرع الذي أبدته عندما انطلقت لشن حرب لبنان صيف 2006، علينا  الانتردد فالهجوم اليوم افضل من غدا وغداً أفضل من بعد غد، والتاخر فيه سيعني أمراً واحداً هو منح حماس وبقية تنظيمات الإرهاب الفلسطينية القوة والفرصة لتزداد قوة، فنحن نتحدث عن تنظيمات لا تخفى أهدافها في إبادة إسرائيل ولذلك علينا أن نسبقها إلى الحرب وندمرها.
 
مواقف غيرشون تعبر في الحقيقة عن مواقف أغلبية جنرالات وقادة الجيش الإسرائيلي، ففى المنطقة الجنوبية مثلاً والتي تتولى إدارة حرب غزة اليومية حسب تعبير أولمرت، هناك شبه إجماع على ضرورة تنفيذ عملية عسكرية كبيرة في قطاع غزة. بوصفها الأسلوب الأمثل لوقف إطلاق الصواريخ وضربة قوية للمقاومة الفلسطينية ستؤثر على جهوزيتها لفترة طويلة قادمة، المواقف الحربجية في صفوف الجيش تتصاعد حسب التراتبية القيادية إلى أن تتوقف على أعتاب رئيس الأركان الجنرال غابي اشكنازي والقيادة السياسية ممثلة بوزير الدفاع اهود باراك ورئيس الوزراء أهود أولمرت.
 
ورغم مواقف اشكنازي العلنية التي تشير إلى استعداد الجيش لأي حرب قادمة إلا أنه لا يحبذ تنفيذ عملية عسكرية واسعة في غزة في الوقت الحالي نتيجة قناعته ربما بأن الاستعدادات الإسرائيلية عكس ما يعلن – لم تصل إلى حد الكمال أو الجهوزية التامة لشن حرب حقيقية وواسعة وربما تفهماً للأسئلة أو الجوانب السياسية للعملية التي يترك اشكنازي امر التعبير عنها لوزير الدفاع ورئيس الوزراء اللذان – رغم التنافر والتباعد شخص بينما إلا أن ثمة اتفاق بينهما على أمر واحد ليس من المستحسن تنفيذ عدوان واسع قد يتدحرج ليصل إلى حد الاحتلال الكامل لغزة في هذا الوقت بالذات، أولمرت  عبر صراحة عن ذلك قبل أيام اثناء لقائه ثلة من الجنرالات السابقين وأعضاء مجلس السلام والأمن  حين قال -إن الذين يعتقدون أن بالإمكان تنظيف قطاع غزة في بضعة أيام مخطئون ويعتقدون أنهم يعيشون قبل أربعين عاماً.-
 
أهود باراك كان أكثر تفصيلاً حيث قال في اجتماع للجنة الخارجية الأمن الاثنين 11-2-2006 يجب أن توضح إسرائيل لنفسها الأهداف المتوخاة من العملية، يجب التروي وضبط النفس، والتحلي بهدوء أعصاب لا بتهور فضلاً عن أن توضح إسرائيل لنفسها الأهداف المتوخاة من العملية، أن تعد مسبقاً خطة خروج سياسية لإنهاء العملية تضمن عدم العودة إلى حرب استنزاف جديدة مع حماس، بالإضافة إلى أكبر قدر ممكن من التفهم الدولي وتحصيل تفاهم مسبق مع المجتمع الدولي يقضي بان لا ينسحب الجيش من القطاع قبل وصول قوات دولية كبيرة إليه لتسيير الأمور فيه, باراك عرض الخطوط العريضة لموقفه الشخصي وللموقف الإسرائيلي الرسمي حتى الآن والذي يمكن شرحه وتوضيحه بشكل أفضل على النحو التالي:
 
- يجب الاستمرار في السياسة المتبعة حالياً والتي تدمج بين الحصار والاغتيالات والتوغلات والاجتياحات اليومية، الحصار يزيد الضغط والمشاكل على حماس وحكومتها ربما يودى إلى اقتتال داخلي وتوترات أمنية واقتصادية واجتماعية، الاغتيالات تهدف إلى التأثير على عمل وأداء الأجنحة العسكرية عبر استهداف قادتها وكوادرها المؤثرين والمهمين أما الاجتياحات والتوغلات فتهدف إلى استنزاف المقاومة واختبار قدراتها في آن وكذلك إبقائها تحت الضغط وإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر بها أي إكمال سلاح البر ما يعجز سلاح الجو عن فعله وإكماله، باراك خصوصاً يعتقد أن السياسة الحالية نافعة وتحقق المطلوب  وهو تباهى في نفس جلسة لجنة الخارجية والأمن بقتل الجيش لـ200 فلسطيني خلال الأربع أشهر الأخيرة منهم 16 في الأسبوع الأول من شباط فبراير.           عندما يتحدث عن التفكير والتروي وضبط النفس والتحلي بالهدوء لا يفصح باراك لا عن الحيثيات السياسية ولا حتى عن الحيثيات العسكرية فالاحتلال سيخسر مئات القتلى وقد أجريت مناورة نظرية، على الورق، وأجهزة الحاسوب – أشارت إلى مقتل 70 جندياً في اليوم الأول ويتم الحديث عن مئات القتلى الاخرين خلال العملية، باراك لا يتحدث عن المدة الزمنية احتمال تدحرج العملية لتصل إلى حد الاحتلال الكامل للقطاع بما يعني بقاء الجيش هنالك لشهور طويلة، ربما حتى لسنوات، لم يشر باراك ايضا باراك إلى احتمال تحوّل الجيش إلى أضحوكة ومثار للسخرية في حالة استمرار سقوط الصواريخ أثناء وجودهم في غزة وحتى في صباح اليوم التالي للانسحاب من هناك ما يعني إفراغ العملية من محتواها وإظهارها عديمة الجدوى عسكرياً وأمنياً.
 
- أما في السياسة فثمة أسئلة سياسية يتم طرحها ثلاثية حتى رباعية الأبعاد فلسطينية تتعلق بالرئاسة الفلسطينية وحماس وإقليمية تتعلق بمصر اساسا ودولية تتعلق بالمجتمع الدولي، في البعد الفلسطيني الأول أي بعد حماس ليس هناك ضمانة بأن تقود العملية إلى أضعاف حركة حماس أو حتى إسقاط حكومتها والعكس بل أن عديد من الرؤى والتصورات الإسرائيلية تشير إلى زيارة قوة الحركة وازدياد التفاف الجماهير حولها في حالة تنفيذ أي عملية عسكرية واسعة في غزة
 
هذا الموقف عبر عنه أمس الثلاثاء 26-2-2008 رئيس مديرية التنسيق والارتباط في غزة الكولونيل غير بيبرس وايضا عاموس يدلين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية أمان أما البعد الآخر فيشير إلى أن العملية قد تؤدي في الضفة إلى عكس المطلوب أي إضعاف الرئيس محمود عباس وحكومته وتخلق أجواء تجعل من المستحيل استئناف ومفاوضات التسوية خلالها، وصولاً إلى إطلاق رصاصة الرحمة والإعلان  الرسمي عن وفاة العملية التي بدأت في أنابوليس، شء آخر ليس من المؤكد أن ترحب الجماهير الفلسطينية بعودة اى من القادة الفلسطينية  الى غزةعلى متن الدبابات الإسرائيلية هذا إن وجد أحد يقبل ذلك.
 
وبالتالى فان التداعيات السياسية للعملية سترتد سلبا على اسرائيل تقوية حماس وإضعاف خصمها المركزي الرئيس محمود عباس، هناك من يتحدث حتى عن مظاهرات واسعة في الضفة الغربية قد تؤدي إلى انهيار السلطة على قاعدة إظهارها  كمحايدة او حتى متواطئة مع الهجمة الإسرائيلية ضد غزة.
 
في البعد الإقليمي والمتعلق أساساً بمصر لا تضمن إسرائيل عدم حدوث كسر او  اجتياح آخر للحدود من قبل حماس والجماهير الفلسطينية الغاضبة وتحول مصر الى قاعدة أو قناة دعم  لوجستى للمقاومة الفلسطينية ناهيك عن احتمال صدام مصرى إسرائيل في حالة ملاحقة الجنود الإسرائيليين للمقاومين الفلسطينيين داخل مصر التى، لا تستطيع الا الرد  فيما يرتكب الجيش الإسرائيلي مذبحة ضد الفلسطينيين علماً أن التنبؤات الإسرائيلية تشير إلى نزوح مئات الآلاف من اللاجئين بحثا عن بقعة امنة داخل مصر تمتد من رفح الى العريش اى لمسافة  اربعين كيلو متر تقريبا,وتتحول هذه المساحة إلى أرض او قاعدة امنة للمقاومة الفلسطينية الأمر الذي سيحرج إسرائيل ويصر يعمق من القناعات والآراء المناهضة للعملية العسكرية فى الجانبين.
 
- الأمر الاخير من الشق السياسي يتعلق بالبعد الدولى حيث يتضمن سيناريو اليوم التالي للعملية العسكرية إمكانية إستنساخ النموذج اللبناني أي إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة تحل محل جيش الاحتلال الإسرائيلي وهذا السيناريو يبدو صعباً وحتى خيالياً في ظل إشارة باراك وقادة إسرائيل أخرين الى ان ليس هناك دول مستعدة لإرسال جنودها إلى غزة، ليس هناك سلطة مركزية يمكن لهذه القوات أن تتعاون معها ليس هناك قبول جماهيري فلسطيني لهذا السيناريو حيث ستتعاطى فئات واسعة من الفلسطينيين معها كقوات احتلال وكل ما قيل عن قوات إسلامية تركيا وماليزية وقطرية هو غير صحيح وحسب مصادر قيادية مطلعة في حماس فإن جل ما طرح هو مساهمة عربية إسلامية في إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفق سلة وطنية – منوطة ومرتبطة بحوار  وطنى يخرج بتوافق حول السلة الكاملة التي تتضمن حكومة الوحدة اتفاق مكة  وما الى ذلك.  
      إذن حسب المعطيات السابقة فإن العملية العسكرية الواسعة لا تبدو مرجحة مع العلم أن كرة الثلج باتجاه الحوار مع حماس تكبر شيئاً فشيئاً وحسب استطلاع للرأي نشر صباح الأربعاء 27-2-2008 فإن 64% من الإسرائيليين يقبلون التفاوض على هدنة مع حماس – 72% من مصوتى حزب العمل ، 55% من مصوتى  كديما – 48% من  مصوتى  الليكود ورغم ذلك  فان احتمالات العملية العسكرية تظل قائمة وغير مستبعدة خاصة فى حالة حدوث تطورات عاصفة او احداث مفاجئة صاروخ فلسطينى يؤدى الى سقوط عدد كبير من المستوطنين بين قتيل وجريح, ;كمين للمقاومة داخل غزة يؤدى الى مقتل عدد كبير من الجنود الاسرائليين او تخطى المقاومة لما تصفه اسرائيل بالخط الاحمر خاصة لجهة التزود بوسائل  قتالية  قد تغير توازن القوى القائم حاليا,  صحيفة هارتس وصفت فى افتتاحيتها الثلاثاء الماضى الوضع على جانبى الحدود فى قطاع غزة بانه لا يطاق الصحيفة قالت ان اى عملية عسكرية ستودى الى وضع لا يطاق ايضا اى ان اسرائيل حائرة ومترددة بين ما  لا يطاق و ما لا يطاق ولم تقارب حتى الان ما يطاق عمليا وواقعيا هدنة شاملة متزامنة  ومتبادلة مع حماس رفع للحصار وفتح للمعابر فى غزة ومفاوضات جدية مع الرئيس محمود عباس للتوصل الى اتفاق وفق الحد الادنى المقبول فلسطينيا  بنهاية 2008.