الدماء التي سالت في قطاع غزة على مدار الأيام الماضية أرادها قادة الاحتلال الصهيوني محرقة ضد الفلسطينيين, في محاولة منهم لتكرار التاريخ, وإعادة إنتاج الماضي بشكل معاكس يحمل روح الانتقام . المحرقة التي ينفذونها ضدنا طالت البيوت والمزارع والحجر والشجر والأطفال والشيوخ والنساء والمساجد وسيارات الإسعاف والمطافئ... إنها (هلوكوست) جديد, ومحرقة جديدة, دون مبالغات ولا توظيف سياسي كاذب كما فعل الصهاينة في أوروبا.
إن الدماء التي سالت خلال الأيام الماضية, ومظاهر العدوان الشامل كفيلة وكافية للملمة الجراح الداخلية, وتوحيد الجبهة الداخلية, وفرصة ثمينة للجلوس للحوار العام والشامل والدقيق والصريح للحوار, والخروج بجبهة موحدة تتصدى للعدوان والإرهاب والمحرقة . ولكن ما نراه وما نسمعه وما نقرأه هو عكس ما هو مطلوب, وعكس الواجب الوطني.حيث يحاول البعض أن يعيد نفسه إلى الساحة الإعلامية ,بأي ثمن ومن خلال المتاجرة بدماء الأطفال والتلذذ بمعاناة الناس.
فكنا نتوقع أن تخرج حركة فتح في الضفة الغربية بمسيرات ووقفات تضامنية خالصة مع شعبنا في القطاع,وكنا نتوقع خروجهم في القطاع للتضامن مع النفس والذات ... ولكن كانت المفاجأة في استخدام الحدث والمجزرة لأغراض غير سوية, وبدلا من استغلال دعوات الحكومة وحركة حماس التي طالبت بالجلوس للحوار فورا, وبدلا من أن تحرك هذه الدماء العواطف والأحاسيس والمشاعر والضمير, وبدلا من دراسة أسباب الأزمة والاستفادة من الأخطاء... خرجت علينا حركة فتح لتنظم المسيرات والمؤتمرات بحجة استنكار العدوان لتعيد إنتاج ثقافة السب والتخوين والكذب والافتراء ,وبات إعلامهم مغردا خارج السرب, كما بان أن الشعب بدمائه في واد وهم في واد آخر, وسيطرت عليهم ثقافة تصفية الحسابات.
سمعنا كلاما لا يخدم القضية من تحميل المقاومة مسئولية المجازر, وان الصواريخ هي التي جلبت الويلات على الشعب الفلسطيني ... لقد قدموا براءة وطهارة للاحتلال في خطوة أساءت كثيرا للشعب والقضية, كما أساءت كثيرا لتاريخ ودماء ونضال الحركة الوطنية وكفاح فصائل المقاومة التابعة لمنظمة الترحيب وعلى رأسها حركة فتح, إنه فكر غريب ,وموقف دخيل, خدم الاحتلال, وأضر بمن يحملوه بالدرجة الأولى, وزادت الفجوة بينهم وبين الجهور الذي يدرك أنه تُرك وحده ينزف ويواجه الحصار, ويعلم أن هذا الفريق صمت الدهر وحين نطق فكان الهجوم عليه على صموده ومقاومته, وكان الاستهتار والاستهزاء بدمائه ومعاناته.
وكان فارس هذا الموقف هو تلفزيون فلسطين في رام الله الذي كنا نتمنى ومازلنا أن يكون وطنيا وملتصقا بهم الجماهير ومعبرا عن نبض الشارع بشكل عام, لا أن يكون منبرا للتحريض على المقاومة من خلال الشخصيات التي أخذت مساحات واسعة من وقته وهي تحرك الثارات, وتسيء للمقاومة وأدواتها, لدرجة أن أحد من تركهم الزمن ورائه وصل به الحد لشتم والد احد رموز المقاومة, ونعت رمز آخر بألفاظ لا تُطاق...وفي المقابل حاولت حركة حماس الخروج بمسيرات تأييد في الضفة الغربية تضامنا مع قطاع غزة الذي يتعرض للمحرقة فقمعوا وأُرهبوا ومُنعوا ...عكس غزة حيث خرجت حركة فتح بمسيرات ومؤتمرات في كافة محافظات القطاع بحرية وأمان وبدون مضايقات, وغطتها كافة وسائل الإعلام ... وبدلا من احترام هذا الهامش وتعزيز المواقف التي تجمع الشعب وتخرجه من محنة الانقسام, وتثمين دور الحكومة التي تركت بكل مسئولية الجماهير تعبر عن رفضها للمجزرة كل بلونه السياسي والحزبي, وبدلا من علو الصوت ضد الاحتلال... إذا بنا نسمع كلاما عجبا لا رصيد له بالواقع وعلى ما يبدو انه مستورد من الخارج, مفروض ممن يحتكمون في الراتب والمنصب في المقاطعة برام الله.
سمعنا من يطالب بالإفراج عن خمسمائة مقاتل من فتح في سجون حماس !! وسمعنا من يطالب بإعادة سلاح فتح المقاوم !! وسمعنا أن حماس تهرب من المواجهة وتترك الناس يموتون!! وسمعنا أن قوات الأمن الوطني هي التي قاتلت شرق جبا ليا وحماس ماتوا وهم هاربين... وسمعنا شعرا ونثرا عن واقع وعن أشياء كأنها في بلاد ألواق واق أو في المريخ والقمر, وهذا كان على الهواء مباشرة ولم نفتري على احد وهو كلام من أزلام قيادات في فتح سواء من الفنادق الفارهة, أو من داخل قطاع غزة للأسف .فعن سلاح يتحدثون وعن أي مقاتلين يتحدثون, يبدو الأمر تافها وسفيها ولا يتح الرد, ولكن أسجل كلاما موجزا للتاريخ وهو, إن العالم كله مطلوب أن يزور غزة ليرى مقاتلي فتح المعتقلين, سيجد أن العدد الكلي للمساجين لا يصل الرقم الذي أطلقوه, ثم سيجدوا كل المعتقلين على ذمة مخدرات أو جرائم قتل مدنية أو تفجيرات ومحاولات قتل سياسية أو عملاء وجواسيس, فهل يرضى أحرار فتح أن يكون هؤلاء مقاتليها ؟!
ثم إن كافة التشكيلات العسكرية موجودة وجزء كبير تابع لحركة فتح وبكامل عتادها فأين هي من الحملة الأخيرة؟! والأصوات التي طالبت بسلاح فتح مطالبة بتوضيح أين ذهب السلاح الذي تم استخدامه في الفلتان والفوضى والأعراس والجنائز وفي تأبين ياسر عرفات وانطلاقة فتح ... أم أن هذا لا يصلح للمقاومة وهو مخصص للنضال الداخلي ؟! ثم ليس غريبا واستخفافا بالعقول أن يطالب فريق بسلاح المقاومة وهو يقمع المقاومة في الضفة ويجمع سلاحها ويقوض أركانها بما فيه سلاح كتائب الأقصى, ويهاجم المقاومة ويحملها المسئولية... فمن العار أن يتم استغلال الدماء في محاولات يائسة لإعادة إنتاج المفسدين أنفسهم, ويفرضوا علينا فكرهم البائد وصورهم القبيحة ورائحة الفتنة الكريهة.