هربت العائلة من مدينة قطنا القريبة من العاصمة. أحد أقارب العائلة سرق الشبيحة سيارته وقتلوه مع ابنه على حاجز أمني. ابن هاجر إلى كندا منذ سنوات. أخ آخر لحقه إلى مونتريـال فاختص وتزوج وبنى عائلة في أمان خارج أرض بشار البراميلي.. ثالث فر إلى حلب فاشتغل مع الجيش الحر ثم تابع طريقه إلى تركيا. لكن القصة الأغرب كانت للأخ الرابع! بدأت الرحلة من قوارب الموت؛ حيث اعتلى الموج عشرون من الفارين من بشار الكيماوي، مذكرا بقصة ذي النون، فذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. قال ابن عباس إنها من القدر وليس القدرة. كانت الرحلة على متن قارب مطاطي فتاه بهم في ظلمات البحر ثماني ساعات، مذكرا بقصة «أوديسوس» من أساطير «هوميروس» من الإلياذة. دليلهم «المهرب» قال لهم هذا قاربكم، وهذه هي حياتكم، مزقوا القارب حين تقتربوا من السواحل اليونانية؟ بحر إيجه غابوا فيه. الهريبة غلفتهم من تركيا باتجاه أوربا الموحدة؛ تابع المهرب: أي بوابة دخلتم كانت لكم النجاة. المجر أو صربيا ليتوانيا أو كوسوفو إيطاليا أو ألمانيا. قبل الساحل اليوناني مزقوا القارب المطاطي، وغاصوا غرقا وخفر السواحل اليوناني يتأمل النساء والأطفال وهم يصارعون الموت. الموج المالح من فوقهم ومناشير الصخور المرجانية الحادة من تحت أقدامهم تنشر سيقانهم وأقدامهم. أنا أعرفها جيداً من بحيرة لينرت في كندا وكانت صخورا أضعف. انجرحوا ونزفوا ولكن تدافعوا مع الأمواج فنجوا! أخذهم البوليس اليوناني فسجلهم، وقال لهم أمامكم أجل يجب أن تعودوا فيه من حيث خرجتم! كانت خطة كل واحد مثل يوم الحشر النجاة بجلده، ولا يسأل حميم حميماً. كانت خطط صديقنا القطناوي لعبة القفز المتدرج. كل بلد يعيده للذي قبله. سوف يكرر القفز حتى يصل إلى الشمال الأوربي، حيث لا تغيب الشمس، أو تغيب فلا تفيق؛ في أقصى الأرض في السويد، بلد جائزة نوبل للسلام. القفزة الثانية كانت إلى صربيا؟ هناك لجأوا إلى مسجد مهجور وكأنهم أشباح أموات المجازر على يد راكان السفاح. في الليل يتسلل أحدهم فيأتيهم بطعام ويتلطف فلا يشعرن بهم أحدا. قصة الكهف مكررة والهرب من بلد العبودية والوثنية سوريا الأسد المسخوطة. أمسك بهم الصرب وأعادوهم. قفزوا القفزة الثالثة هذه المرة عبر سلوفانيا. مشوا على أقدام متورمة ولم يأبهوا 21 ساعة متواصلة. حين هدأوا ناموا يومين وليلتين متواصلتين. كل بلد يدخلونه يقبضون عليهم ويعيدونهم إلى البلد الذي خرجوا منه؛ فيعيدون القفزة من جديد. أسوأ القوم كانوا في المجر. أرادوا أخذ بصمات منهم وتوقيع اعتراف! رفض صاحبنا. كان أخوه من كندا يوجهه إلى المراكز الإسلامية. دخلوا أحدها تبين أنه مركز مسيحي ولكن لم يعاملوهم عسفا. أخيرا وصلوا إلى بلاد التيوتون والجرمان. المال كان يرسل لهم بواسطة ويسترن أونيون فيتابع رحلته. هتف بفتاة تريد الذهاب من هامبورج إلى الدنمارك أدفع لك تذكرتك وتقطعي اثنتين خافت ورفضت. تجرأ الرجل وتقدم وطلب تذكرة. كان محظوظا إن لم يطالبه بوثيقة شخصية. هنا كان يسافر على متن قطار في رحلة دولية. المهربون السوريون على طول الطريق أصبحوا محترفين يزورون كل الوثائق تقريبا. في إيطاليا أعطوه هوية وجواز سفر وفوقها شهادة سواقة. أخيرا قفز القفزة الكبرى والأخيرة إلى بلاد الظلام والبرد والسلام السويد. سلم نفسه للبوليس. فورا وضعوه في غرفة دافئ مع طعام دافيء وشعر للمرة الأولى بالسلام من الشبيحة وبراميل الأسد، ومعها خرجية جيب شهرية بمبلغ 120 دولارا. تذكرت الآية (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه).