يرى الطب الحديث أننا في أول الطريق لوضع يدنا على أسرار مذهلة في قهر السرطان، ليس الإنزيم الحيوي (تيلوميراز) آخرها وتحقيق حلم الإنسان في معالجة كثير من المشكلات المستعصية، فنحن نلج أوقيانوس المجهول الإنساني ببطء وحذر وجهل، ولعل الأحجية الكبرى هي معرفة الإنسان، كما وصف ذلك قديماً الكاتب والجراح (الكسيس كاريل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهولMAN THE UNKNOWN) أن الإنسان حقيقة مجهولة تمشي وسط موكب من الأشباح. نحن فهمنا أشياء كثيرة مما يحيط بنا ولكننا لا نملك (دليل معلوماتMANUAL INSTRUCTION) عن أنفسنا كما يرى ذلك عالم النفس الأمريكي (براين تريسي) في أبحاثه عن أسس علم نفس النجاح، عن كيفية تشغيل هذه الآلة المعقدة المسماة بالإنسان، وهي كلمة غير دقيقة غير سليمة ولا تؤدي الغرض؛ فالإنسان يجمع داخله مختصراً مضغوطاً لبرمجة الكون كله، فإذا كانت الكروموسومات تحوي 3 مليارات من الأحماض النووية وتعتبر التجلي الأعظم في الخلق البيولوجي، فإن الجانب الروحي النفسي مازال دغلاً لم نقطع بين أشجاره الملتفة سوى خطوات قليلة. هذا التصور المذهل جعل عالم النفس السلوكي (سكينر SKINNER) يُعِّقب في كتابه المترجم الى اللغة العربية تحت عنوان (تكنولوجيا السلوك الإنساني) أن سقراط لو بعث في أيامنا الحالية لدهش من أمرين: اكتشاف نفسه طفلاً صغيراً لا يفقه شيئاً من الأبحاث الحالية. سوف يصعق من المعلومات الجديدة عن الفيزياء النووية بتركيب مضاد المادة، ورحلة المركبة (باثفايندر) إلى المريخ، وكشف التركيب الجيني في نواة الخلية، في جدلية فهم العالم الأصغر والأكبر بالتليسكوب والميكروسكوب (MACRO & MICRO) عند حواف الكون، ولكن المفاجأة الثانية لن تكون بحال أقل من الأولى؛ أن العالم لم يتغير كثيراً في الحوارات الفلسفية والعلوم الأخلاقية الإنسانية؛ فسيقتحم غمارها خوض المغامر الجسور؛ فليس هناك من تطور نوعي في المناقشات فمازال السياسيون يتناقشون ويتعاركون كرجال الأدغال؟! يعقب عالم النفس (سكينر) على كارثة إنسانية من هذا الحجم: لماذا لم تتطور العلوم الإنسانية كما حصل مع التكنولوجيا؟ هل لأن هذه العلوم لا تملك بذرة التطور في رحمها؟ هل تحتاج إلى تطوير أدوات معرفية نوعية، تسبر غور فضاء معرفي معقد من نوع جديد؟ وهل هناك ما أوقف تطوير الأدوات المعرفية هذه؟ ويخلص من هذا إلى القول بوجوب وضع تكنولوجيا إنسانية تستطيع ضبط التعليم والصناعة، والانفجار السكاني، والسلام العالمي، كما نضبط مسير سفينة فضائية، أو نقترب من الصفر المطلق في الرياضيات؟!
رغبة الإنسان وحنينه إلى الخلود، في مقابل الموت الراصد أمامه؛ نراه على شكل قصة مثيرة أن موسى فوجئ ذات يوم بملك الموت يقف جنبه مسلماً عليه؟! فلم يكن من موسى عليه السلام، المعروف بحدة طبعه، إلا أن صفع ملك الموت ففقأ عينه؟ فرجع ملك الموت الى ربه يشكو موسى: أي رب أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت!.. قال له الرب: ارجع إليه فقل له: ليضع يده على متن ثور فله بكل شعرة سنة!. قال موسى: أي ربِّ ثم مه؟ أي ثم ماذا؟ قال: ثم الموت!، قال فالآن؟!.