الأمن قدموه على العلم

نشر 13 أكتوبر 2014 | 06:26

لا يكاد المرء يصدق عينيه وهو يطالع ما نشرته الصحف المصرية أمس عن أجواء بداية العام الجامعي الجديد، فالأخبار والصور المنشورة تحدثت عن ثكنات عسكرية وليس عن جامعات، وعن مدرعات رابطت غير بعيد من «الجبهة» التي احتشد رجال الأمن على مداخلها، في حين اصطف الطلاب في طوابير تعرضت للتفتيش والتدقيق في الهويات، وفي خلفية ذاك المشهد تزاحمت في الفضاء الجامعي تصريحات التحذير وبيانات إحكام الرقابة وسيل الإشارات التي كان ضبط الأمن محورها، حتى بدا أن الجامعات بصدد التحول إلى مؤسسات ترفع شعارات التأديب والتهذيب والإصلاح. وهو ما يخطر على البال منذ قرأنا عن تعديل قانون تنظيم الجامعات بما يسمح بفصل الأساتذة دون عرضهم على مجلس للتأديب، (فصل الطلاب صار أمرا مفروغا منه)، كما قرأنا عن توظيف بعض الطلاب للتجسس على زملائهم، وعن تفتيش غرف الطلاب في المدن الجمعية، وعن مطالبة البعض بإغلاق المدن الجامعية بدعوى أنها محاضن للإرهاب، وتابعنا مسؤولا جامعيا مرموقا يتحدث عن انشغاله بالأمن القومي ويعلن انه جند طلابا من بلدياته للتجسس على زملائهم.. إلخ.

في بداية العام الدراسي تحدث الجميع عن الأمن، فلم نسمع صوتا تحدث من قريب أو بعيد عن التعليم، ولم يكن ذلك متعمدا بطبيعة الحال، لكنه كان عفويا على نحو جاء كاشفا للأولوليات التي احتل فيها الأمن الصدارة، حتى تراجع كل ما عداه، بما في ذلك قضية في حيوية التعليم، الذي يعد النجاح فيه من ركائز الحفاظ على الأمن القومي.

تكثيف الاهتمام بالأمن في الجامعات له اسبابه المفهومة التي تحتاج إلى مناقشة ومراجعة، لكن من سوء الحظ انه يتم في وقت تتراجع فيه اسهم الجامعات المصرية عربيا وافريقيا ودوليا، وهو ما كشف عنه التصنيف الدولي للجامعات الذي أوضح تقدم الجامعات الأمريكية والبريطانية على مستوى العالم، في حين تصدرت الجامعات الاسرائيلية والتركية والايرانية والسعودية واللبنانية القائمة في الشرق الأوسط، وحصلت جامعات جنوب افريقيا وأوغندا ونيجيريا على ترتيب متقدم في افريقيا. اما جامعة القاهرة فقد جاءت في الترتيب 32 على مستوى الشرق الأوسط والـ1206 على مستوى العالم، وهي في ذلك متقدمة بصورة نسبية على بقية الجامعات المصرية الأخرى.

خلال السنوات الأخيرة حدث ذلك التراجع في مستوى الجامعات المصرية (بعض الدول الخليجية لم تعد تعترف بشهادة بكالوريوس الطب المصرية وتتطلب شروطا اخرى لاعتمادها)، إلا ان ظهور العنصر الأمني على النحو الذي لاحظناه هذا العام لا بد ان يكون له أثره السلبي على سمعة تلك الجامعات على الأقل، هذا إذا لم يؤثر تقصير أمد العام الجامعي على تحصيل المناهج وكفاءة العملية التعليمية.

في الوقت الذي صار فيه الأمن شاغل الجامعات المصرية، فإننا نشهد صعودا سريعا ومدهشا للجامعات الآسيوية التي اصبحت تحتل مكانة متقدمة بين جامعات العام رفيعة المستوى، في حين اصبح تلاميذ المدارس الآسيوية يتصدرون تصنيف التعليم على مستوى العالم، إذ بعدما ظلت فنلندا تحتل المرتبة الأولى طوال عشر سنوات على مستوى التعليم الرفيع، فإنها تخلت عن تلك الصدارة ابتداء من عام 2012، وتراجع ترتيبها إلى المرتبة الثانية عشرة، وتصدر القائمة شنغهاي في الصين، ثم سنغافورة وبعدها هونج كونج ثم تايوان وكوريا الجنوبية وبعدهما ماكاو واليابان، وهذا الترتيب في التفوق الذي استأثرت به الدول الآسيوية حققته الاختبارات التي تمت في مجالي العلوم والنصوص المكتوبة. (للعلم التلاميذ في كوريا الجنوبية يقضون 50 ساعة اسبوعيا في الدراسة بزيادة 16 ساعة عن نظرائهم في أوروبا، حيث يدخلون إلى صفوفهم في السابعة والنصف صباحا ولا يغادرونها قبل الساعة الرابعة بعد الظهر).

في التقارير المنشورة وجدت ان الجامعات في الهند بدأت تشق طريقها بقوة لتحتل موقعها بين أهم الجامعات الآسيوية والعالمية، تتنافس في ذلك 343 جامعة و17 ألف كلية إضافة إلى 66 مؤسسة للتعليم عن بعد في 60 جامعة إلى جانب 11 جامعة مفتوحة. إذ وفقا لأحدث مسح حول أفضل كليات اجرته صحيفة «انديا توداي» ضمن دليل «نيلسون بست كولدج» وهو أفضل دليل موثق في الهند، كانت الكليات التي حصلت على الترتيب الأول في مجالات العلوم والفنون والتجارة وجميعها من جامعة نيودلهي، فكانت خمس من أفضل عشر كليات في مجال الفنون والعلوم من تلك الجامعة، وكذلك أربع من أكبر 10 كليات للتجارة، ناهيك عن تفوق العاصمة الوطنية على بقية البلاد في ثلاثة مجالات اخرى، حيث تم تصنيف معهد عموم الهند للعلوم الطبيعة ومعهد اي. اي. تي دلهي وان. اي. اف. تي دلهي، كأفضل الكليات في الطب والهندسة والموضة على التوالي.

الكلام عن سنغافورة التي أصبحت توصف بأنها بلاد التعليم الجامعي الرفيع وأرض الفرص العلمية، إذا قورن بالصورة التي تشهدها في مصر، فإنه يشعرك بأنك تتحدث عن كوكب آخر مختلف عن الكوكب الذي نعيشه ونعرفه، وسنظل نحلق في آفاق ذلك الكوكب البعيد طالما علقنا أبصارنا بالفضاء الجامعي الآسيوي، ولن نشعر بقسوة الارتطام بأرض الواقع إلا إذا فتحنا أعيننا على صور الحاصل في مداخل الجامعات المصرية، التي تمسح من أذهاننا أي حديث عن المعرفة والتقدم وأحلام المستقبل.