إفساح الكفاءة

نشر 11 أكتوبر 2014 | 06:07

«هذا وقد عين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشفاء القرشية مسؤولة الحسبة، والشفاء من العائلات القرشية ويتصل نسبها من الأم الى رسول الله، ومن الجدير بالذكر ان الشفاء هي أول امرأة في الاسلام تتولى هذا المنصب ويعتبر هذا تحولا جذريا في خلافة الفاروق الذي يمتاز عهده بالحزم والتقنين والمتابعة والمحاسبة الحثيثة»!

هل من الممكن ان نتخيل هذا الخبر في اعلام العهد الراشد يطوف به المتحدثون كذلك خارج الجزيرة فيصل الى حضارات الجوار من فرس وروم وغيرهم؟! هل من الممكن ان نتخيل سيدنا عمر يلتفت في خياراته، وهو صاحب الفراسة الملهم المحدث الذي وافق القرآن في حالات كثيرة، الى جنس الانسان الذي يوليه منصبا ما او يحجبه عنه فيجعل من الذكورة والانوثة اولويات تتجاوز الأهم والأخطر من أسباب الكفاءة؟!

لنتخيل لوهلة اخرى مشهدا سابقا لأم حرام بنت ملحان تسمع حديث رسول الله في فضل غزاة البحر ووصفهم بالملوك على الأسرّة فتتأخر وتتساءل في نفسها: أنا أنثى، ضعيفة لا اعرف البحر ولا الملاحة ولا حتى القتال!! تخيلوا أنها ترددت وأخفت الرغبة في نفسها حتى انتهى المشهد لما ورثنا نفس المبادرة وسرعة الاستجابة التي نقدمها حجة لكل من لا يعرف مكانة ودور المرأة، ولكنها لم تتردد ولكن طموحها كان متواضعا، فقالت: يا رسول ادع الله ان أكون منهم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم طموحها للسقف فقال لها: أنت من الأوائل، بكل ما تحمله الكلمة من دور الاوائل في ارساء أعمدة الفكر والممارسات وترك الأثر والقدوة.

حتى النص القرآني الذي قرر في قصة آل عمران أن الذكر ليس كالأنثى لم يكن تقرير استضعاف ولا حصر ولا استقلال فقد خرج من هذا التقرير، وهذه القصة امرأة من الكاملات هي مريم بنت عمران العابدة الراهبة في بيت المقدس، أم النبي المعجزة التي صبرت لأعظم الابتلاءات، فاذا كان كل هذا الانجاز والصمود وتحمل المهمات في تاريخ الانسانية متلازم مع الضعف الذي يراه البعض في الاية فإنه لضعف محمود أجراه الله خارقا معجزا على يد امرأة! ومجموع الاحاديث النبوية في النساء بوصف القوارير والعوان وغيرها يفسر في سياقه من التمييز الإيجابي وتحنين القلوب الغليظة وفتح العقول المغلقة واعطاء المزيد من الحقوق ويشهد لذلك سيرة الرسول والنساء من حوله فأي قارورة صلبة ومتينة كانت خديجة رضي الله عنها وهي تساند النبي في كل حالات الشدة؟ اي ضعف وانوثة جعل ام عمارة الجندي الوحيد الباقي حول رسول الله في أحد؟ ماذا كان منطق أسماء بنت يزيد وكيف كانت بلاغتها يوم لم يعجبها تقدم الرجال في الجهاد والجماعات فأرادت ما يعادل ذلك فأعجب الرسول بكلامها بل بوأها منصبا يعادل اليوم المناصب الدبلوماسية فجعلها «سفيرة النساء» فعرفت النساء السفارات في الاسلام قبل كل الحضارات التي حصرت النساء في دائرة الشهوة والتكاثر!

لم يعرف الاسلام اذن المحاصصات المقيتة حسب الجنس او العمر او الاصل او الجذور ولم يكن هناك مكارم ولا تفضيلات الا بمقاييس العمل والكفاءة، فتنوع المشهد وكان لكل نصيب في الانجاز التراكمي حتى الاطفال وأولاد عفراء معاذ ومعوذ من الذين تصدروا تلك المشاهد

الا انه في ردتنا للجاهلية لم يعد لدينا اسهام في مجال تقديم المفاهيم والنماذج واستوردنا القالب الغربي الذي يقسم المجتمع فئات ولكل فئة حقوق وواجبات، ويعتبر المرأة من الفئات المهمشة والمستضعفة؛ ولذا لا بد من الأخذ بيدها وجعل معيار تقديمها في المواقع والمناصب ضرورة ومقياس تقدم بغض النظر عن الاستحقاق والكفاءة وبالطبع يتم ذلك اما بالحرب مع الرجال او بتغيير مواقفهم بالرضى والقبول الجزئي بما لا يخل بتوازن القوى لصالح الرجال في المناصب السيادية والمؤثرة، فتكون المرأة تزويقا وتجميلا للمشهد وشهادة حسن سير وسلوك ودفع للتهمة بتهميش المرأة مع ان الأفهام والممارسات ما زالت كما هي!

أصبحت المجتمعات تفسح للمرأة إفساح العطف أو الزينة أو ملء الفراغ أورد التهمة والشبهة وليس افساح الكفاءة التي يجب ان تنظر الى الاستطاعة وليس الى الجنس فلا يقدم الرجل الضعيف لذكورته ولا تؤخر المرأة القوية لانوثتها ويتوسع الامر على الشباب فلا يقدم الشباب لسنهم مع قلة قدرتهم ولا يستبقى الكهول حفظا لودهم بعد وهن قوتهم!

إن هذا المنطق لم يوصل النساء الى مكانة حقيقية تجعلهن نصف المجتمع في الانجاز كما هن في العدد واكثر، وبقينا نشير بالبنان هنا وهناك على استحياء لامرأة برزت في مجال او مجالين والعالم بعد قرنين مما يسمى بتحرير المرأة ما زال يتحدث عن تمكينها والتمكين لها ولم تصل المرأة للان الى حالة التمكن في مجتمع لم يبلغ الرشد في التعامل معها حتى الان وما زال يتعامل مع بروزها اما بالاحتفال المبالغ فيه او بالتجريب والامتحان او بالتربص والتشكيك وتصيد الأخطاء والرجوع الى منطق «لو كان رجلا لما فعل ذلك!» بل زاد على ذلك المتندرون فقالوا «حين يرتكب الرجل بلاهة يقولون ما اشد بلاهته بينما حين ترتكب المرأة بلاهة يقولون ما أشد بلاهة النساء!»

إننا لن نصل الى حل هذه المعضلة العالمية والعودة الى حالة الشقائقية التي اخبر عنها الحديث الا اذا فهمنا ما قاله المفكر عبد السلام ياسين «كونك رجلا أو امرأة ينوِّعُ شكل ابتلائك وامتحانك واختبـارك في دار الامتحان في هذه الدنيا. لكن جنسك لا يغير من جوهر الجزائية والمصيرية الى الله عز وجل شيئا».

يوم الحساب تنصب الموازين للأعمال لا يؤثر في رفعتها أعمال رجل خلقه الله ذكرا بأمره لا باختياره ولا ينقصها أعمال امرأة خلقها الله ليعدل بها نظام الكون القائم على الأزواج ولتكون روح الدنيا وقدوة المؤمنين بحسن فعالها.

منطق شاوروهن وخالفوهن او ولوهن واختبروهن لا يقدم نموذجا ولا يطلق مسيرة!

يا ترى كم سيجتذب خبر تعيين رجل في منصب ما وهل ستدور حوله العواصف والتأويلات والاحتفالات ام يؤخذ بقدره وأهميته؟! لماذا تدور الرؤوس بالمعية او الضدية عندما يتعلق الامر بالمرأة؟ هل المجتمع يفكر بعقله أم بأشياء أخرى؟ هل سيتساهل المجتمع مع المرأة لانها امرأة ام سيهاجمها لذات السبب؟

اسئلة اشكالية يجب ان يطرحها العاملون خلف ظهورهم ويعملوا ويتحملوا النتائج بكل ايجابياتها وسلبياتها ثم يقيّموا ليبنوا على ثبات ومصداقية وثقة.

يا نساء العالم اتحدن، النساء قادمات، النساء وصلن، تمكين النساء وغيرها شعارات نستلهمها على عمى ونحاول تطبيقها على جهالة ولا ندري أفي حرب نحن ام مباراة والاهداف لصالح من؟! ان مجتمعا يبنى على العداء او التحدي او الاختبار الدائم او الانتقاص من اي من أفراده لن يسير نحو التقدم خطوة بل سيراوح مكانه او يتقهقهر الى الخلف!