اليمن السعيد لم يعد سعيدا. الحكمة اليمنية باتت رهينة المذهبية الضيقة.( 47 ) قتيلا وعشرات الجرحى في تفجير انتحاري قاتل في ميدان التحرير في اليمن، هو بداية الطريق للفتن المذهبية والحروب الأهلية. من المسئول عما آلت إليه ثورة يناير الشعبية السلمية في اليمن من دماء وسلاح؟!.
اليمن المشهور بحكمته، وبسلميته، يعيش في هذه الأيام بين طرفي الصراع الداخلي، والتدخلات الخارجية، وبالذات الخليجية والإيرانية. اليمن السعيد في ماضيه، غير السعيد في حاضره، الفقير في موارده، الغني بحكمته، بات مسكونا بهاجس الدم والسلاح، بعد أن دخل مسلحو الحوثي العاصمة صنعاء، وفرضوا إرادتهم على الحكومة ، والأحزاب السياسية بقوة السلاح.
الطريق التي سلكها الحوثيون في الوصول الى أهدافهم غير آمنة البتة، لما في البلاد من سلاح في البيوت كافة، ولتوزيع عناصر القوة على القبائل، والأحزاب، فضلا عن التدخلات الخارجية، وبالذات لدول الجوار. كل مستلزمات القتال والحرب الأهلية متوفرة في اليمن، على نحو لا مثيل لتوفرها في مناطق الصراع الأخرى. حكمة شعب اليمن وقادته هي التي كانت صمام الأمان في السنوات الماضية.
من لليمن في هذه السنة، وفي هذه المحنة، وقد أطلت الفتن المذهبية، والقبلية برأسها، وباتت الدولة أسيرة سلاح الحوثي في الداخل، وأسيرة الخلافات الإقليمية الخارجية، التي وجدت لها متنفسا في الساحة اليمنية. ربما أخطأت دول الخليج في دعم الحوثيين انتقاما من حزب الإصلاح اليمني الإخواني كما يقولون، استجابة لاستراتيجية خاطئة ترى أن خطر الإخوان أكبر من تهديد الحوثيين، ومن تهديدات الحروب الأهلية. لذا فإن سؤال : من لليمن في هذه السنة الثقيلة في محله، ويفرض نفسه على كل محبي اليمن وحكمة اليمن ؟!.
إن ما يجري في اليمن في جنوب الجزيرة، وما يجري في بلاد الشام والعراق شمال الجزيرة، من شأنه أن يتطور ليهدد الجزيرة نفسها، بل ويهدد البلاد العربية الأخرى.
إن كل مال الجزيرة والخليج لن يكفي لمعالجة المشاكل، والدماء القادمة، والتي بدأت تنزف في الشمال، وفي الجنوب. وعلى جهات الاختصاص وأصحاب القرار أن يتأملوا جيدا في التصريحات الأميركية والغربية التي تتحدث عن حرب طويلة في شمال الجزيرة قد تمتد ثلاثين عاما؟!.
هل تحتمل المنطقة مكر أميركا، والغرب، وإسرائيل، ولكل منهم مطامعه ومصالحه في المنطقة؟!، وهل بإمكانها أن تحتمل شلال الدماء الجارية في المنطقة، بمكر دولي وإقليمي، يستحضر بين الفينة والأخرى ميراث الحروب الصليبية، والتهديدات العثمانية، يوم كانت الخلافة الإسلامية هي الأقوى في العالم؟!.
ليس أمام اليمن والجزيرة على وجه الخصوص، والبلاد العربية على وجه العموم غير طريق واحدة فقط، وهي طريق تبريد حرارة الصراع، ووقف جريان الدماء، والتصالح مع الإسلام السياسي، والبحث عن حلول سياسية للخلافات، مع الحذر من التحالفات الغربية، إذ لا أمن ولا أمان مع أميركا والغرب. وإن تاريخ الثورة العربية الكبرى ضد الخلافة العثمانية دليل وشاهد على ما أقول، لمن طلب العبرة، وبحث عن السداد و الرشاد.