ثلاثة أيام تفصلنا عن مؤتمر المانحين الدوليين لإعادة إعمار غزة، الذي يعقد جلساته في مصر بدعوة من النرويج، واستضافة من القاهرة . من المتوقع حسب التصريحات الإعلامية المصرية أن يحضر المؤتمر ثلاثون من وزراء الخارجية، إضافة إلى ممثلين عن دول أخرى، بمشاركة الصناديق المالية الدولية والعربية والإقليمية، وسيكشف المتحدثون في المؤتمر عن تعهدات بلادهم المالية لدعم عملية إعادة إعمار غزة، من خلال السلطة الفلسطينية، التي تشارك في المؤتمر، وتضع بين يدي المؤتمرين إحصاء بحجم خسائر غزة في الحرب الأخيرة، وإحصاء بحاجتها المالية لإعادة إعمارها، وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
في غزة الجريحة الصابرة على ما أصابها ثمة ( إجماع دعائي ) إن صح هذا المصطلح، يتمنى فيه المجمعون أن ينجح المؤتمر، وأن تقدم الدول المانحة الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لاسترجاع الحياة، وبعض العافية المفقودة في مجتمع غزة، بعد أن دمرته آلة القصف الإسرائيلي دون مبالاة بأحد في العالم.
غزة المصابة بإصابات متنوعة تملك الدعاء والتمني، ليس إلا. لذا تجدها تدعو وهي مسكونة بقلق وريبة وخوف من الفشل ومن المستقبل. لا أحد يستطيع نزع القلق والخوف من غزة، غير الإجراءات العملية العاجلة للبدء في عملية إعادة إعمار ذات مغزى.
مرّ شهر وبضعة أيام على إبرام التهدئة، ولما يدخل غزة شيء من مواد الإعمار الرئيسة كالإسمنت والحديد، وكلما مرت الأيام تزداد قسوة الحياة على المتضررين من الحرب الأخيرة، وتزداد احتمالات تجدد القتال مرة أخرى خروجا من الألم . رجال الحكم والسياسة لا يحسون جيدا بما يحس به المواطن المتضرر، وجلهم لا يقدر الأمر حق قدره، وبعضهم ينظر إلى المؤتمر والمنح بعين الغنيمة والاستحواذ، الأمر الذي يعطل مصالح الناس وينتقص من حقوقهم.
الناس في غزة تخشى من أمرين في ظل انعقاد المؤتمر المشار إليه آنفا:
الأول أن تبقى تعهدات المانحين، وبالذات العرب منهم، حبرا على ورق، بغير تنفيذ، أو مواعيد دفع، بحيث يلحق هذا المؤتمر بسابقه الذي عقد في شرم الشيخ بعد حرب 2008-2009، للغرض نفسه، والذي بلغت فيه تعهدات الدول المانحة حوالي(5.5) مليارات دولار، ولم يصل منها شيء الى غزة، وما زالت بعض أضرار حرب 2008 قائمة بدون معالجة حتى الآن.
والثاني أن تغلب نظرة الغنيمة، والاستحواذ، على ممثلي السلطة، وأن تتنافس القيادات المتنفذة فيما بينها، وأن تستعين بأصدقاء عرب ودوليين، على نحو ينسيهم حقوق المتضررين، ويعرقل عمل الآخرين.
لا أحد ينكر أهمية المؤتمر، ولكن لا ضمانات لوصول أموال التعهدات، والأسوأ في هذا الباب أن تتعمد اسرائيل تعطيل الإجراءات العملية لإعادة الإعمار، وأن تتخذها وسيلة للابتزاز السياسي، لا في غزة فحسب، بل في الضفة أيضا.
الأوضاع بشكل عام خطيرة، ومسكونة بقلق وخوف، والصف الوطني ممزق ومريض، والوضع العربي نسي غزة، وبات مشغولا بالعراق والشام، وتنظيم الدولة، وما هو قائم من تحالفات دولية ربما تزيد من القلق العام على المستقبل في عموم العواصم العربية.
والمؤسف أنه في ضوء هذه الهموم الكبيرة فشلت حكومة التوافق التي تعقد جلستها الأولى اليوم في غزة في حلّ مشكلة رواتب الموظفين، وهي تدفع من حيث تدري أو لا تدري، بسؤال المواطن المتضرر القائل: كيف ستنجح هذه الحكومة في إعادة الإعمار وتحقيق العدالة بين المتضررين ؟!