أزمة خطبة الجمعة

نشر 09 أكتوبر 2014 | 11:35

في مدينة (مونتريال) في كندا حضرت خطبة وصلاة الجمعة فظننت نفسي في مسجد الأتراك في حي قاسيون في دمشق. فلم يزد الحديث عن مواعظ عثمانية وأدعية عدوانية أن يدمر (الكافرين) جميعاً وعائلاتهم.

 

في الوقت الذي منح (الكافرون) الكنديون المسلمين الجنسية الكندية وسهلوا لهم دخول البلد والرزق الوفير والدراسة الجامعية شبه المجانية والأمان من جَلْد المخابرات وتقارير الشرطة السرية. وفي مسجد (فاطمة) كان المتكلم يتحدث عن إعداد رباط الخيل للجهاد في بلد مسموح فيه أن تعتنق أي دين وتنشر أي مبدأ بدون خيل ورباط.

 

أما في الشرق فالمنظر مختلف فكل يوم جمعة يجتمع المؤمنون للصلاة وسماع الخطبة. ويستنفر نصف جيش من المخابرات لتسجيل الكلام ورفع التقارير، فلعل فيروس خطير مر من أقنية الكلام.

 

وكل يوم جمعة ترتج إسرائيل وحكومات العالم الإسلامي خوفاً من اندلاع المظاهرات بعد كل صلاة. وهكذا تحول اجتماع يوم الجمعة إلى زلزال اجتماعي متكرر تحبس إسرائيل والأنظمة الشمولية أنفاسها مع كل دورة له حتى ينجلي الخطر بعد أن تحول إلى خندق أخير للمعارضة والتعبير.

 

 

ومن الغريب أنه في كل من كندا والشرق وفي كل مرة يكتشف الجمهور أن صوته مصادر في هذا الاجتماع لحساب وعاظ السلاطين. فمنذ أيام يزيد بن معاوية يصعد كل يوم جمعة نفس الخطيب ويكرر نفس الديباجة. ويعيد نفس الدعاء للسلطان بالحفظ والصون. بأن يمد في عمره كي يبقى راكبا على ظهر العباد إلى الأبد. ويتلقى الموجة جمهور أخرس أتقن الصمت بختم على الفم أكبر من ختم الحبل السري على البطن. ليسمع حديث واعظ في قضايا لا تستحق الاجتماع. فلا يزيد الحديث فيها عن فواكه الجنة في الوقت الذي لا يجد المواطن رزق عياله. وعن الآخرة في الوقت الذي يحتضر فيه المواطن كل يوم مرتين. وعن فرعون ذي الأوتاد في الوقت الذي طغى الحاكم في البلاد فأكثر فيه الفساد.

 

ومن خلال تأميم صلاة الجمعة لحساب الحاكم بأوراق مطبوعة سلفاً من الأجهزة الأمنية بكلمات منتقاة بحذر ودقة يتلوها موظف رسمي من خلال بوق ضيق صنعه رجال الأمن بالتفصيل على المقاس تمت مصادرة الآراء لحساب رأي واحد فرد صمد.

 

ولكن مشكلة زلزال يوم الجمعة ما زال قائماً في العالم الإسلامي لجماهير معفرة تنتظر المهدي ويلتئم جمعها عسى أن تمطر السماء مطرا وليس في الأفق سوى الغبار والحر.

 

وفي حي (الميدان) في دمشق حضرت خطبة الجمعة وكان بجانبي غلام لم يبتلى بمرض النوم أثناء الخطبة فانتبه إلى غلطة في سرد الخطيب فصلحها له. ويبدو أن الغلام كان قد حفظ (الكليشيه) من كثرة الترداد.

 

وفي (القامشلي) بلدتي التي عشت فيها طفولتي كان الإمام يخطب من كتاب (ابن أبي نباتة) من أيام السلطان قلاوون. وهناك 52 خطبة على مدار السنة وحسب المواسم: الصيام ـ الحج ـ الإسراء والمعراج ـ المولد ـ الهجرة ـ … الخ.. وكنا صياماً فتحدث عن الحج وبدأ يدعو أن ينزل الغيث ولا يجعلنا من القانطين وكنا في الصيف. ثم انتبه إلى أنه بدل المواسم والأدعية فبدأ يقلب على عجل عن الخطبة المناسبة بعد أن ضل طريقه إليها، ولم ينتبه الجمهور لما حدث لأنه لا يسمع شيئاً. فهو يسمعها منذ نصف قرن وهو نائم منذ قرون. وكانت نكتة ولكن لم يضحك أحد.

 

وكنت أخطب أنا شخصياً أحياناً وانتظر اعتقالي من المخابرات بعد كل خطبة. وأكثر ما كان يزعجني أنه بقدر انفعالي في الخطبة بقدر استغراق البعض في النوم. ولما خرجت من أحد الخطب سألت أحدهم بعد أن أثنى على الخطبة التي ألقيتها. قلت له عما كنت أتحدث؟ قال وهل يحتاج هذا للسؤال كنت طبعاً تتحدث عن الإسلام؟

 

وفي بلد عربي حضرت خطبة في مسجد فحول الخطيب الخطبة إلى مناسبة فقهية في الاستنجاء والاستبراء مع أن الناس لم تعد تستخدم الحجارة في دورات المياه منذ أيام الاستعمار الفرنسي.

 

وفي مدينة (اولدنبرج) في ألمانيا مدينة الفيلسوف (ياسبرز) حضرت خطبة الجمعة وكان الخطيب التركي يقرأ من بعض كتب الصوفية عن بعض الرؤى مما خيل إلي أنه أقرب لحديث السحرة وقراءة الكف والتنجيم. والساحر يدمدم بنفس حروفنا ولكنها لغة يفهمها الساحر فقط.

 

وفي أحد مدن السعودية كان الخطيب يدعو بحرقة على طوائف لا نهاية لها بالتدمير الكامل وتيتيم الأطفال وترميل النساء وأن يريه عجائب خلق الله فيهم. وكان أكثر حماسه عند الدعاء على العلمانيين أن يقتلوا عددا ويهلكوا بددا فلا يبق منهم أحدا. كرَّر ذلك ثلاث مرات وصوته مختنق بالبكاء. والجمهور يؤمن على المذبحة الجماعية. وأنا مرتاع بين التأمين والاستنكار.

 

وعن (بلد عربي) روى لي ثقة أن خطب الجمعة تكتب من وزير مبجل مهمته توعية الناس ثم ترسل بالفاكس إلى خطباء كل المساجد كي يقرءوا خطبة واحدة موحدة مؤممة مصادرة. وهي قصة ليست خاصة بذلك البلد بل هو وباء عربي مثل انتشار مرض التهاب السحايا والدماغ.

 

وفي (القاهرة) وأمام أحد المساجد كانت الكاسيتات تباع بالعشرات لواعظ يعلو صوته هدير محرك نفاث. يعتمد فرقعة الحنجرة أكثر من الدماغ، والهياج العاطفي أكثر من حديث العقل. وهم جيل جديد من الواعظين المحدثين يصغي لهم الجمهور بخشوع تقشعر منه الجلود. ومما لفت نظري روايته عن فاطمة الزهراء (ر) أنه لم يأتها الطمث قط فاعتبرها معجزة. وكان الجمهور المخدر يصيح الله أكبر.

 

ونحن نعرف في الطب أن الدورة الشهرية عند المرأة طبيعية وصحية، ولا تنقص أو ترفع قدرا، ولا يؤدي زيادة أيامها وغزارة دمها أو انقطاعها إلى معجزة، بل لها قانونها الذي يسري على جميع بنات حواء. وهو ما كان رسول الرحمة يعلمه للمؤمنات كل يوم. ولكن الدجل يمكن أن ينتشر باسم الدين، ويحارب الإسلام بإسلام مزيف. كما في تبديل الدواء إلى سم بقلب جذر الهيدركسيل في المركب الكيمياوي بدون تغيير في وزنه الذري.

 

ومع أن القرآن يؤكد على التاريخ والطبيعة، وانه لن تنزل معجزة من السماء ولن يشق الأرض بالقرآن أو يكلم به الموتى أو ينزل الله والملائكة قبيلا. ولكن الواعظين يريدون في كل مرة أن يظهروا الإسلام المبني على المعجزات. في انقلاب كامل لمحاور الفهم. وضد اتجاه القرآن باسم القرآن.

 

إنه عهد اغتيال العقل الجماعي المنظم بدون مشانق وفرق إعدام. وصليت في بلد عربي فتحدث الخطيب لمدة ساعة ونصف والناس في حمارة القيظ تغلي بدرجة 47 سانتيغراد وكنت أعرفه فلما سألته عن سبب الإطالة والناس تحترق؟ قال: إنها مناسبة يتجمع فيها الناس ويجب استغلالها.

 

وكان حديثه لا يزيد عن طيران وتحليق في مواضيع لا تستحق الاجتماع والإطالة والاستعداد لها بالغسل وأحسن الثياب. فبدل الحديث عن نقل السلطة السلمي وإيجاد الرأي الآخر كان الدعاء للسلطان أن يبقيه إلى يوم الدين. وأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وأن المخالفين لا مكان لهم بيننا.

 

ومع أن القرآن يضم أكثر من 2000 آية في 114 سورة وثلاثين جزءً ومواضيع لا نهاية لها من التاريخ وأخبار المجتمعات وأمراض أهل الكتاب وفرعون ذي الأوتاد. ولكن الخطيب لا يعتبر أن التاريخ مهم. أو أن علم الاجتماع يمكن الاستفادة منه. ويظن أن المسلمين محصنين ضد أمراض أهل الكتاب وهم أهل كتاب.

 

وأما فرعون فهو بيبي الثاني الذي عاش في الألف الثانية قبل الميلاد. وهي لون من العمى الثقافي فبدل استخدام ألفي آية ينحصر الدماغ في عشرين آية بفهم مغلوط. وبدل الصدع بالحق في الحديث بمشاكل الناس في الدنيا، يتم زحزحة الخطاب للحديث عن الحور العين في الجنة. بما يقرب جنة وهمية لناس يعيشون في جحيم أرضي.

 

وتخدير الوعي لحساب سلطان لم يبق لهم سلطانا على أي شيء. وبدل اكتشاف العلاقات الخفية من قصص القرآن لقضايا مصيرية يتم انتقاء مواضيع جانبية غير محورية لا تزعج مستيقظاً ولا توقظ نائماً. مثل لون الكلب في قصة أصحاب الكهف. ومشكلة تطويل اللحية. والصراع حول جسد المرأة.

 

واستولت علي يومها فكرة أن أمسح كل المساجد لأرى طبيعة الخطب فاستولى علي شعور الانخلاع من الزمن والعودة إلى أيام السلطان المملوكي أبو سعيد جقمق. مما يؤكد طبيعة المرض الواحدة في كل العالم العربي مع اختلاف الدرجة. كما في الحمى التيفية التي قد تتظاهر عند البعض بارتفاع الحرارة وتصيب الآخر بالتهاب عضلة القلب وثالث بانثقاب الأمعاء فيؤخذ إسعافاً إلى قاعة العمليات.

 

هذه الأمثلة تعني أن خطبة الجمعة مصادرة لثلاث اتجاهات: الأنظمة التي يتلوها واعظ السلطان. وتيار المتشددين يتلو فيها الخطبة من يشن الحروب من فوق المنبر في خطاب عدواني. وتيار تقليدي ما زال يعيش أيام السلطان العباسي يعقوب أبو الصبر المستمسك بالله متجمداً في مربع الزمن عام 1498م . وبين هذه الاتجاهات الثلاث توجد أصوات نشاز هنا وهناك تحاصر بسرعة وتعزل بأشد من مريض الجذام والإيدز.

 

والسؤال كيف الخروج من يد فرعون ومن سيشق البحر بعصاه فينفلق بين جبلي المتشددين والاستخبارات فكان كل فرق كالطود لعظيم.

 

ولتحرير الخطبة من قبضة السلطان وبوق الواعظ جرب البعض حظهم في ثلاث طرق: إما بإلغاء صلاة الجمعة كلية بانتظار الإمام الغائب كما فعلت الشيعة حتى أحياها الإمام الطالقاني من جديد بعد نجاح الثورة الإسلامية. ولكنه دخل جوف المشكلة من جديد من حيث أراد الخروج منها. واليوم لا يخطب في طهران إلا خطبة واحدة تنطق باسم نظام شمولي واحد يرتدي عباءة الأئمة الاثني عشر.

 

وإما بمحاولة مزاحمة واعظ السلطان بالتحدث مباشرة إلى جمهور مخدر بعد الصلاة عسى أن يفيق. ولكنها محاولة مكتوب عليها الفشل ثلاث مرات: باعتراض واعظ السلطان. وجاهزية رجال المباحث. وجمهور مشلول بالرعب ليس عنده استعداد أن يسمع فقد يحاسب بشراسة على ما سمع فلم يبلغ عنه.

 

أو محاولة التسلل تحت عباءة السلطان لتسريب بعض الأفكار الحيوية إلى حين اكتشاف أمره بعيون الأمن الساهرة أكثر من عيون القطط فيكتشفوا أن هناك من دخل على سيمفونية الشخير العام فيعزل مثل المصاب بالإيدز وفيروس السارز.

 

والملفت للنظر أن صلاة الجمعة تختلف عن صلاة العيدين فوضع الصلاة مع الخطبة مقلوب. ففي الوقت الذي يصلي الناس العيد ثم يهربوا من خطبة واعظ السلطان، يحتجز الوعي في كل خطبة جمعة مجبرا لسماع خطبة تذكر بأيام المماليك البرجية. يشن فيها خطيب الحروب من فوق المنبر في خطاب جداً عدواني. مستبدلا الرحمة بالعذاب. وكسر توازن الجنة والنار بإشعال حطب جهنم بدون توقف. في أدعية مستعارة من دفتر ابن أبي نباتة من أيام السلطان قلاوون. يتلوها على سمع جمهور مغشى عليه من الوسن واظب على الحضور عشرين سنة بدون أن يفقه عشرين كلمة.

 

والشيعة عندما خيل إليهم أنهم اكتشفوا الحل لم يتقدموا بالحل إلا إلى إلغاء الحل. واليوم يجتمع كل الناس في طهران ليستمعوا لونا واحدا من الخطبة في الوقت الذي يأكلون على موائدهم من كل صنف زوجان. ولكن عقولهم لا يسمح لها إلا بنظام الطعام الاشتراكي صنف واحد فقط من الطعام. وبذلك دخل الشيعة الأزمة في الوقت الذي ظنوا أنهم تحرروا منها. واليوم في طهران تصادر كل الآراء لحساب رأي واحد. فلا ينطق من أعلى المنبر إلا شيعة السلطان وبيدهم السلاح.

 

وهناك حل لهذه الإشكالية ولكنه مثل من يلقي بنفسه في شلالات نياغارا فلا يتبلل. أو يزور الإسكيمو بدون أن يبرد. أو يلعن ماوتسي تونغ في ساحة تينامنين في وسط بكين فلا يعتقل. والاقتراح باختصار أن يعتلي المنبر كل مرة واعظاً مختلفاً من تيار مختلف. بمن فيهم وعاظ السلاطين. فليتحدث كل امرئ بما في جعبته لجمهور متعطش أن يسمع الجديد والمفيد. وأنت تقول وأنا أقول وللناس عقول. فلا يسمع المواطن المعتقل كل يوم جمعة نفس الكلام الممل. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

 

بكلمة أخرى يجب عدم السماح لخطيب واحد أن يخطب أكثر من مرتين في السنة بحيث يسمع الناس خلال سنة واحدة 25 نوعا من

موسيقى الفكر فيتمتعوا ويطربوا ويتحرر الوعي وتنطق كل جنبات المجتمع ويعبر عما يمور فيها من تيارات.

 

ولكن معنى هذا الكلام انقلاب اجتماعي مثل أن ينطق الأخرس من الولادة أعذب الشعر. وأن يلعب المشلول الرباعي بالجمباز. أو أن يقوم الموتى فيكلمون الناس. أو أن نطلب من المفلس إنفاق الملايين. وقد يكون انقلاب من هذا النوع أعظم من أن تخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.

 

آن الأوان لثلاث أمور: تعددية الخطباء وصولاً لتعددية الآراء. وتحريرها من قبضة وعاظ السلاطين ومصادرة المتشددين. واعتماد أدعية الرحمة والمغفرة وتفاهم الناس أكثر من قتالهم وتدمير العالم. واستبدال أدعية العصر العباسي بأدعية تناسب العالمية وتعايش الثقافات وتناول موضوع المرأة بما يتجاوز اللباس.

 

والتغيير الكلي لمضمون الخطاب بما يمكن التحدث به في أي منبر بما يسمح تناقله في المحطات الفضائية لمئات الملايين من المسلمين المتعطشين للمعرفة والوعي، والإنصات له من الآخرين فيحدث لهم كما حدث للجن حينما سمعوا القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. ولكن المسلمين ودعوا الرشد منذ أيام الراشدين.