“أم عامر” حينما تستلم اللواء..

نشر 27 سبتمبر 2014 | 04:29

بعد غياب طويل بفعل الخيانة الأمنية التي تمارسها أجهزة الأمن “الفلسطينية” لأبناء الشعب الفلسطيني البطل المُدافع عن أرضه والمُطالب بحقوقه الضائعة على موائد اللئام بفعل الخنوع الذليل لفريق “الحياة مفاوضات”، تنفس الفلسطينيون الصعداء عقب عملية الخليل البطولية التي أدت لمصرع ثلاثة من المغتصبين الصهاينة الذين أذاقوا المواطن الفلسطيني كأس الذل مع إشراقة شمس كل صباح أو بعد مغيبها، بغياب أجهزة أمن توارت عن حماية أبناء شعبها “المفترض” وسخرت سلاحها ضده.ام عامر أبو عيشة

 

لقد كانت العملية بمثابة قشة تعلق بها المواطن بعد سنوات من التيه في بحر لُجيٍ متلاطم الأمواج أرادته السلطة الفلسطينية وأطراف مختلفة لها كذلك، فجاءت رياح عملية الخليل بما لا تهواه سفنهم، وهي عملية استثارت كل أجهزة أمن السلطة لتحوز على شرف السبق بالخيانة كما أعلنت ذلك كل وسائل الإعلام في حينه، ولتكون أول من يخبر العدو الصهيوني بأسماء المنفذين للعملية والسيارة المُحترقة، وتوصل الكثير من المعلومات، وكالعادة بلا ثمن ولا مقابل، وإن كانت كل أثمان الدنيا لا تغفر أو تكفر عن الخيانة للأعداء.

 

ومنذ تلك اللحظة الأبطال الذين تقدموا بينما تقهقر الكثيرون في دائرة الاستهداف المزدوج، من السلطة تارة والعدو الصهيوني المرتكز على ما تقدمه له تلك السلطة من معلومات على الجهة الأخرى، كما أصبحت عائلاتهم في دائرة الاستهداف والتهديد هي الأخرى، فالاعتقال كان حلقة من سلسلة طويلة تخللها هدم البيوت وتضييق الخناق، وغيرها من الأساليب القذرة، ومع هذه الخطوات ظهرت عزيمة ذوي المطاردين الأبطال، وهي عزيمة قادتها والدة الشهيد البطل عامر أبو عيشة، لتحرق بها أفئدة كل الملاحقين لابنها وزميله، وبدلا أن يحرقوا قلبها على فلذة كبدها، إلا أنها تصدرت المشهد، وبدأت توجه الرسائل المختلفة لابنها عبر وسائل الإعلام، وتحثه على ألا يخون شرف البندقية.

 

ومن زقاق إلى آخر، ومن كهف لثانٍ أمضى المجاهدون الأبطال ثلاثة شهور رفضوا من خلالها أن يتركوا العدو الصهيوني يختار محطة نهايتهم، حتى وإن كان ثمن خطوتهم الدماء والأرواح، تنقلوا من مكان لآخر حتى وصلت إليهم عيون التعاون الأمني، ليتم إحاطة المكان بعشرات الآليات الصهيونية التي اعتقد من شاهدها للوهلة الأولى أن “الجيش الذي لا يُقهر” برواية الصهاينة المزعومة متجه لحرب جديدة، وهي بالفعل حرب دارت، شارك فيها المئات من جنود الاحتلال والسلطة الفلسطينية “من وراء ستار” وكانت نتيجتها الإعلان عن ارتقاء مجاهدين اثنين هما مروان القواسمي وعامر أبو عيشة.

 

وحقيقةً، فإن المعركة التي دارت دفعت الكثيرين يؤمنوا بقول الشاعر: كم من رجلٍ يُعد بألف رجل.. وكم من ألف يمروا بلا عداد، فاثنين فقط من الرجال الأبطال استنفروا كل هذه القوات الصهيونية والفلسطينية لمطاردتهم والوصول إليهم بعد ثلاثة شهور، فصلابتهم تعادل آلاف الرجال، أما قاتليهم فحقا إنهم “بلا عداد”. ولعل ما يدلل على ما أقول أن مذيعة القناة الصهيونية العاشرة قالت لمراسلها: “السلطة قالت لنا هم في الخليل- تقصد القواسمي وأبو عيشة- والشاباك أخبرنا أنهم في الخليل، فلماذا قتلهم أخذ وقت كبير!!”.

 

قد يكون “القواسمة وأبو عيشة” بالمفهوم البشري قد غادروا هذه الدنيا، لكن الحقيقة التي ستزعج العدو الصهيوني وأعوانه في الضفة المحتلة أن استشهادهم أحيا المئات بإذن الله وجعلهم يفتشون عن رجولة وبطولة لديهم عملت أجهزة التنسيق الأمني لسنوات على محاولة طمسها، وبينما لم يجف غبار المعركة في الخليل خرج آلاف المواطنين مشيعين للأبطال، تقدموا ليحملوا الجثامين لكنهم تفاجئوا بسيدة فلسطينية ترفض أن تتركهم يتقدموا، سألوا عنها، فشموخها وعنفوانها وصمودها أثار حماستهم وهيج مشاعرهم، فدلهم البعض على اسمها، وقالوا لهم: إنها والدة الشهيد عامر أبو عيشة.

 

انتهت في مدينة الخليل مسيرة عرس غاب عن شوارع المحافظة لسنوات، وإن كان غاب عن هذا العرس قسرا قادة السلطة الفلسطينية أو التعاون الأمني خشية النقمة الشعبية والثأر لدماء الشهداء إن هم شاركوا في أعراس الشهداء، فالشعب الفلسطيني بات أذكى من أن ينطلي عليه المثل القائل “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”.

 

انتهت حكاية القواسمة وأبو عيشة بتشييع جثامينهم، لكن حتماً فإن مسلسلا جهاديا جديداً تأكيدا يجري التجهيز لتصويره سينطلق في الضفة الغربية المحتلة، فأم عامر التي تقدمت صفوف الرجال وحملت اللواء تبحث عن رجل يحمله، دفعتهم للبحث عن تاريخ أفعالهم القديم يوم كان العدو المحتل لبلادنا وديارنا يحسب حساباً لأفعالنا ويخشى أن يصادفه استشهادي سيجعل “سقف الباص طاير في ثوانٍ معدودة”، وهذا ما كان يوم أن قال الشهيد القائد في حركة “حماس” جمال منصور: “على الناس ألا يتركوا للاحتلال أن يختار موتتهم، عليهم أن يختاروا كيف يموتون”.. وهي حقيقة فعلها “القواسمي” و”أبو عيشة”، وستؤدي خلال الفترة المقبلة لإيجاد آلاف سيرسمونها بدمائهم على جدران بيوت الضفة المحتلة بإذن الله تعالى..