سوق الخريجين في قطاع غزة يعاني من كساد تراكمي مزمن. الخريجون الجامعيون يعانون من البطالة الدائمة، فهم منذ سنوات بلا وظائف، وبلا أعمال بديلة أيضا، بعد أن سبقتهم الطبقة العاملة الى البطالة الدائمة المزمنة. البطالة تعمّ الخريجين من التخصصات الجامعية كافة، بدء من الدراسات الإنسانية، ومرورا بالدراسات العلمية، وانتهاء بالتخصصات الهندسية المختلفة. باختصار إنه لا مفاضلة كبيرة في سوق الكساد والبطالة بين تخصص وتخصص، فكل التخصصات في ( الهم شرق ؟!).
ربما بلغت البطالة الدائمة الكاملة، وشبه الكاملة، في قطاع غزة نسبة بشكل عام الى 40٪ ، بينما ترتفع بين الخرجين الى الضعف، وما زالت الجامعات تضخ من الخريجين في كل عام الآف تلو الآلاف، دون أن يلوح في الأفق حلا، لأسباب كثيرة، ربما لا تحتاج الى مقاربة وبيان هنا لشدة وضوحها للعامة والخاصة، ولكن أود أن أشير إلى نواح سلبية تفاقم المشكلة، ومنها:
1- انخفاض، أو غياب روح المنافسة العلمية بين الجامعات، وغيابها أيضا بين طلاب العلم بسبب الأفق المسدود، مما أضرّ ضررا بليغا بمعايير جودة التعليم ومعايير جودة الخريجين، لأن الجميع يجلس على الرصيف، ويبدو أن البرامج التعليمية في الجامعات استسلمت بشكل أو بآخر لقسوة الواقع الغزي.
2- لا تتلق الجامعات في غزة مساعدات مالية من السلطة، أو من الدول المانحة، كما كان الأمر قبل سنوات، الأمر الذي نتج عنه عجز في موازناتها السنوية، يعرقل قدرتها على الوفاء بدفع رواتب العاملين، والإنفاق على البحث العلمي، وعلى تحسين جودة التعاليم وجودة الخريج. ( رغم الخلل الكبير في الموازنة بين التعليم والأمن مثلا).
3- لا تستطيع الجامعات الكبيرة في غزة رفع رسوم الساعة الدراسية، بسبب البطالة العامة المستشارية في القطاع، وبسبب بطالة الخريجين، وبسبب الحصار الخانق، مع تزايد أعداد الحالات الاجتماعية الصعبة التي تحتاج الى قروض، أو إعفاء من الرسوم، بتزايد الفقر، وأبناء الشهداء، والبيوت المهدمة.
4- في الوقت الذي تحاول فيه الجامعات تعويض جزء من العجز المالي من خلال قبول أعداد أكثر من الطلاب الجدد، تتجه جامعات أخرى إلى بيع مقاعد دراسية من خلال ( التعليم الموازي) غير الملائم لبيئة غزة، حيث يتم تخفيض مفتاح القبول في التخصصات العلمية التي أمامها هامش من المنافسة، في مقابل دفع الطالب مبلغا كبيرا من المال في مقابل كرسي الدراسة، دون رقابة حقيقية للوزارة ، ومؤسسات الجودة، ودون دراسة حقيقية للبيئة الاجتماعية لغزة.
5- إنه وبسبب البطالة بين حملة الماجستير، والدكتوراه، في جلّ التخصصات الإنسانية والعلمية، لجأت بعض الإدارات الجامعية الى ابتزاز أبناء هذه الطبقة، بحرمانهم من الحق في التثبيت، ومعاملاتهم بنظام عقد مؤقت، براتب متدني عن أمثالهم المثبتين، واستبقائهم تحت طائلة فسخ العقد والاستغناء، لوجود بديل يقبل بما هو أقل، وانتفت الى حدّ بعيد هيبة الدكتوراة، والدرجة العلمية، وسحقت الحاجة الى الوظيفة كرامتها وقيمتها؟!.
في ضوء ما تقدم، وما لم نعرض له أكثر، ندعو الى مراجعة ملفات التعليم العالي، بما يزيل الغبن عن الجامعات نفسها، ويحفظ قبل ذلك حق الطالب، والخريج، وصاحب الدرجة العلمية العالية، والمجتمع ، ويوفر لهم جميعا الحماية من تداعيات هذه الحالة المعقدة المسكونة بأخطاء منظورة وغير منظورة، وبما يحقق نتائج الجودة الغائبة على أسس علمية قادرة على المنافسة.