قطع الخوفة

نشر 22 سبتمبر 2014 | 04:58

حكماء بلا طب كان أجدادنا ولم يقتصروا على معالجة الأمراض الجسدية بل ادركوا ان مرض النفس أشد خطورة، فاستحدثوا على بساطة الموجود ما ظنوا أنه يعالج أسقام الروح والجسد ولم يكن لليأس في قلوبهم مكان، فخفاء داخل الجسد عن عيونهم علقهم بالاسباب وبشيء من الدين وبشيء من الخرافة كذلك!

أيامها كان أجدادنا يعتبرون الخوف مرضا وليس مجرد شعور طبيعي او فطري أو عرضي، ففي ثقافة تقدس الرجولة والقوة وتحترم المرأة صاحبة القدرة حتى الطفل تنظر اليه كرجل ينتظر موعد شبابه لم يكن هناك مجال ولا سماح ولا تسامح مع «الخويفة».

بل انهم اخترعوا علاجا خاصا سموه «قطع الخوفة» يخضع من خلاله المريض بالخوف الى «تمريج» وتدليك بزيت الزيتون في مناطق عصبية معينة من تجمعات الشرايين يؤدي كما كانوا يعتقدون الى سحب الخوف من جسمه!! وكانوا يلاحظون تحسنا واضحا على المرضى وعودة للحيوية فيهم فيزداد يقنيهم بالتجربة التي عاشت حتى الان في الطب الشعبي وفي قناعات الناس!

وفي الوقت الذي ازدهر الطب في عصرنا وانتعشت صحة اجسامنا الا ان اسقام ارواحنا وعقولنا زادت، وما من دراسة حديثة الا وتبين ارتفاعا في نسب الامراض النفسية والعقلية، فالخوف من كل شيء واي شيء اصبح السمة الاميز لشعوبنا واصبح التخويف سلاحا تستخدمه الانظمة ضد شعوبها لمزيد من التركيع والاستبداد حتى أصبح المرء يخاف من خياله ولا يفتح فمه الا عند طبيب الاسنان حتى لا يذهب وراء الشمس الى اماكن الداخل اليها مفقود، بل أصبح التهويل والمبالغة ديدننا واصبحنا نخوف انفسنا ونضع لها حدودها دون الاستعانة بعوامل خارجية! اصبح الخوف قرين ارواحنا ولصيقا بأجسامنا ينبع من داخلنا دون الحاجة الى مؤثرات خارجية!

ولكم أقعدنا عن رفع الظلم عن خاصة أنفسنا، هذا غير عموم الناس فأصبح حرمات المرء من نفس ومال وعرض لا تعني شيئا أمام استبداد المتسلطين وظللنا نعتصر انفسنا واعمارنا في تأمين ما نظنه عيشا كريما لنموت اذلاء وارقاما لم تترك أثرا في الحياة سوى مزيد من ولادة وتفريخ خائفين جدد!! والمحكوم بالخوف يبحث دائما عن ملجأ وهذا لا يعانق الحياة ولا يصنع الحضارة فهذه تحتاج لاهل الحياة لا لاهل الكهف!

أراد الله لنا ان نكون احرارا فأمننا على أسباب الخوف التي تقعد الانسان عن العمل وهي الحياة والرزق فلم يجعلها في يد احد سواه ليخلصنا من السلاطين أجمعين في حياتنا، ولكننا نأبى الا نفهم فنرهن أنفسنا وأرزاقنا الى بشر مثلنا لا يملكون التحكم في انفاسهم اذا انحبست ولا بولهم وغائطهم اذا خرج او انحبس!

لقد قرعنا ابراهيم طوقان مرة فقال:

كم قلت أمراض البلاد وانت من امراضها

والخوف علتها فهل فتشت عن اعراضها

أسرى نحن للخوف من داخل أنفسنا دون أن يمسنا أحد او يقربنا وعلينا من ذوات نفوسنا مائة رقيب لا للخير وانما للاحجام عنه ولقد علم منا رسولنا صلى الله وسلم منتهى الخوف بل الوهن في زماننا فجعل كلمة الحق، فقط الكلمة، من اعظم الجهاد!

فهل قطع الخوفة هو ما نحتاجه لنعود اعزاء كرماء شجعانا؟ هل ينفعنا تمريج لعرق هنا وهناك او تدليك لعصب وعضو لعل عروق الحياء والايمان تنبض بالحياة بعد ان طقت وماتت ويبست؟

رحم الله عمر بن عبد العزيز يوم حرر نفسه بنفسه فلم يكن عليه سلطان سوى خوفه من الله فقال «كل يوم اخافه دون القيامة فلا وقاني الله شره» تحرر فانطلق فغير فترك أثرا لم يكن لغيره من أصحاب السلطان والجاه!

من كان عنده جدة أو أم فليحضر الزيت وليستسلم صامتا ليديها لعل الطب الشعبي وبركة الوالدين تنفخ في موات أجسادنا وعروقنا شيئا من القوة!