ستبقى معركة ( العصف المأكول) موضوعاً لدراسة لسنوات قادمة، لما لهذه المعركة من ثراء في الأفعال والمخرجات، ودروس المستقبل. وهنا أود مقاربة مؤشر من مؤشرات انتصار المقاومة ، استكمالاً لمقاربات سابقة، تحت عنوان: ( اقتلاع عيون جيش الاحتلال في غزة ).
ينقل رفعت شناعة، أمين سرّ فتح في إقليم لبنان، عن مسئول أمني إسرائيلي قوله:( لو لم يكن لدينا في سنة 2008 هذا الجيش من العملاء، لكانت النتيجة كارثية. اليوم استطاع الفلسطينيون أن يقتلعوا عيوننا من جسمهم، فتخبطنا في أكثر من موقع...)، وهنا يعقّب المسئول الفتحاوي بقوله: ( في خلال خمس سنوات نجحت المقاومة في الانتقال من جسم مليء بالعملاء، الى جسم نظيف، فأدى ذلك الى تقليل الخسائر في صفوفها...) ( راجع حلقة نقاش حول العدوان الاسرائيلي على غزة وانعكاساته المستقبلية، في مركز الزيتونة ببيروت في 17/9/2014، بحضور عشرين باحثا).
قيمة هذا الكلام تكمن أولا في الحقائق الموضوعية التي جاءت في كلام الرجلين:( المسئول الإسرائيلي، والمسئول الفتحاوي)، فالمسئول الإسرائيلي كشف أسباب تخبط قوات الجيش في كثير من المواقع، وهذا ما شاهدناه نحن عِيانا في ( العصف المأكول) في معركة الشجاعية، ومعركة بيت حانون، ومعركة رفح، ومعركة خزاعة ،واقتحام تحصينات نحال عوز، وقتل من في الموقع وعودة رجال القسام سالمين.
لسنا نحن وحدنا من يشهد على فشل جيش الاحتلال في المعركة البرية على غزة، مما اضطر القيادة السياسية والعسكرية الى سحب القوات المتقدمة الى الخلف.
ما كان لهذا الإنجاز المقاوم أن يحدث بدون تنظيف غزة من العملاء، وبدون اقتلاع عيون الاحتلال من الجسد الفلسطيني، وهذه المعركة الصامتة لم تكن بنت الساعة، أي في أثناء المعركة، بل كانت ممتدة في الزمن من حيث الإعداد، وقد قدرها المتحدث الفتحاوي بخمس سنوات. هذا التقدير يعني أن المقاومة انتصرت بالإعداد، قبل أن تنتصر في المواجهات. فنحن أمام مقاومة تمتلك استراتيجية، وخططا، وبرامج عمل، وتسارع الزمن من أجل الوصول الى ساعة النصر.
والقيمة الثانية لما تقدم تكمن في أنه كلام لشخصيات من خارج حماس، فالأول شخصية اسرائيلية، والثاني شخصية قيادية فتحاوية تعيش في أجواء الحرية التي يوفرها لبنان للرأي والرأي الآخر. إن منْ تخلى عن الحزبية البغيضة لا يقول إلا ما قاله أمين سرّ فتح في لبنان. وقليل هم من يتخلون عن حزبيتهم في الفصائل الفلسطينية عند مقابلة عمل قومي كمعركة العصف المأكول ؟!
إن ما قاله رجل فتح في لبنان مهم في السياق الذي نناقشه. إنه قول أردنا استحضاره من البيت الفتحاوي في مقالنا هذا، لنضعه أمام قادة البيت الفتحاوي في رام الله، وبالذات أمام من تبنوا العملاء، وزعموا أن من قتلوا في أثناء المعركة هم من ضباط وكوادر فتح، وأن حماس اعتدت عليهم بالقتل، وخلافه ، على خلفية حزبية وسياسية؟! وهو ما نفته حماس، ودعت فتح الى الاطلاع على اعترافات من قتلوا لحماية الشعب والمقاومة، قبل التجديف الإعلامي غير المسئول.
المسئول الإسرائيلي تحدث عن تخبط قوات الجيش الصهيوني المعتدي في غزة، لأن حماس استطاعت أن تقتلع عيون الجيش، يعني العملاء، قبل، وأثناء المعركة، ومن ثمة كانت الكارثة، التي تلافاها الجيش في 2008 بمساعدة العملاء. والقائد الفتحاوي في لبنان يفتخر ويعتز في محفل علمي أكاديمي، وحلقة نقاش مسئولة ،وأمام عشرين باحثا متخصصا، في مركز الزيتونة للأبحاث، بأن المقاومة في غزة استطاعت أن تنتقل بغزة من جسم مريض بالعملاء، الى حسم نظيف من العملاء في خمس سنوات، واعتبر هذا الانتقال الحميد سببا من أسباب انتصار المقاومة في معركة ( العصف المأكول).
إن في كلام الرجلين ما يكفي للرد على مزاعم من تبنوا العملاء لتشويه المقاومة، وللتقليل من انتصارها، ولفتح معركة غير مبررة مع حماس، تغطية لأهداف أخرى، وهؤلاء لو أنصفوا أنفسهم ومجتمعهم لطلبوا من حماس الاطلاع على ملفات التحقيق، وجعلوا ما حدث موضوعا للحوار في الغرف المغلقة، طلبا للحقيقة واستخلاصا للعبرة، وترشيدا للسلوك.