ما إن أوقفت الحرب في غزة أوزارها أواخر أغسطس الماضي، حتى نظمت حماس في الضفة الغربية احتفالات عدة تتحدث عن إنجازات المقاومة التي حققتها على الجيش الإسرائيلي.
فيما دعت أصوات في حماس داخل غزة لنقل نموذج المقاومة المسلحة في غزة للضفة، لتقصير عمر الاحتلال، ومنع اعتداءاته على الفلسطينيين، لأن ما فعلته المقاومة في غزة، يجب أن يتم نقله بأسرع وقت ممكن للضفة الغربية.
ولم يعد سراً أن ساحة المقاومة الحقيقية ضد (إسرائيل) موجودة في الضفة، التي ما زالت محتلة، فالأمر لم يعد يقتصر على أحاديث الصالونات السياسية داخل الساحة الفلسطينية، بل مشاورات بين القوى المقاومة، للبحث في الآليات والوسائل المقترحة، رغم العقبات السياسية والأمنية التي قد تشكل عائقاً أمام نقلها، ما يعني أن السؤال المطروح في حماس هذه المرحلة: ليس هل ستنتقل المقاومة للضفة أم لا، بل عن آليات المقاومة، توقيتها، وسائلها، والدخول في تفاصيلها الميدانية والعملياتية.
كما أن معالم الوضع الأمني والميداني في الضفة واضحة، فالاحتلال ما زال قائما وبقوة، بل يتعزز أكثر فأكثر، والمستوطنات تشهد "تسميناً" مكثفا، وفرض هذه الحقائق على الأرض سيفرض بالتأكيد وجود حالة من المقاومة المسلحة، والتصدي لها، إضافة للمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات السلمية والشعبية.
ومع ذلك، فإن الوضع الأمني في الضفة الغربية يتسم بالتعقيد، لاسيما مع وجود السلطة الفلسطينية التي تستبعد إمكانية تحقيق السيناريو الذي تدعو إليه حماس بنقل العمل المسلح ضد (إسرائيل) إلى الضفة، لأن ذلك كفيل بالإطاحة بالسلطة كلها، وهي تكتفي بالسماح للمقاومة السلمية والشعبية ضد الاحتلال، بديلا عن الأعمال المسلحة، هذا إلى جانب أن الرد الإسرائيلي سيكون موجعا.
كل ذلك يعني انطلاق العمليات من الضفة صعب ومعقد للغاية، والخلايا المسلحة هناك تخضع لملاحقة مزدوجة، من قبل (إسرائيل) التي تعتبرها هدفاً، والسلطة الفلسطينية التي ترفض وجود أي سلاح آخر غير سلاحها في مناطق الضفة، وهي لن تسمح لحماس بجر الضفة الغربية لمربع مواجهة مسلحة مع (إسرائيل).
الملاحظ أنه ما إن توقفت حرب غزة، حتى بدأت السلطة الفلسطينية تشن حملات اعتقالات واستدعاءات أمنية بحق عناصر حماس هناك، مما يعمل على ضرب أي مفاصل تنظيمية جديدة قد تنشأ في الضفة، بما في ذلك أي نواة عسكرية صغيرة، ويعرقل أي تفكير أو تخطيط لنقل المقاومة المسلحة من غزة إلى الضفة، مع العلم أن السلطة الفلسطينية شنت حملة اعتقالات مكثفة في صفوف عناصر حماس خلال الأيام القليلة الماضية، في مدن الخليل ونابلس ورام الله بالضفة الغربية، شملت أسرى محررين، بعد تنظيمهم احتفالات بانتهاء حرب غزة.
لكن تقدير موقف موضوعي يمكن له أن يطرح إمكانية العمل الجاد لإعادة بناء أجهزة المقاومة العسكرية في الضفة، التي اعتراها الضعف الناتج عن عمليات الاعتقالات والاغتيالات للكوادر العسكرية، وتدمير البنية التحتية لها في السنوات الأخيرة، لأن الضفة ستكون الساحة الحقيقية للمعركة مع (إسرائيل)، وتنتشر فيها الأهداف الإسرائيلية: العسكرية والاستيطانية على مدار الساعة، ويمكن توجيه ضربات مؤلمة للتواجد الإسرائيلي هناك، مما يمهد الطريق لتحقيق انسحابات متوقعة كما حصل في غزة، رغم المخاوف من إمكانية الصدام مع السلطة الفلسطينية، وهو ما يتطلب حواراً هادئاً معها للوصول لبرنامج سياسي متفق عليه.
كما أن مسار المقاومة المسلحة في الضفة آخذ بالارتفاع، وقد ازداد في حرب غزة الأخيرة 2014 بمقدار 70%، حيث شهدت 1000 نقطة مواجهة مع الجيش الإسرائيلي، بمعدل 20 نقطة مواجهة يوميًا، واستشهد 22 فلسطينيًا في الضفة، وأصيب المئات، و1050 حالة اعتقال، و500 من القدس، ونفذت 176 هجمة بالزجاجات الحارقة على أهداف إسرائيلية، و28 عملية إطلاق نار، وتفجير 16 عبوة ناسفة، وعدة عمليات طعن ودهس، ومحاولتين لم تنجحا لإدخال سيارات مفخخة داخل (إسرائيل).
سبب آخر قد يعزز رغبة حماس الحثيثة لنقل المواجهة المسلحة إلى الضفة، أن غزة التي تشكل 1% من مساحة فلسطين التاريخية خاضت 3 حروب متلاحقة خلال أقل من 6 سنوات، وحان وقت أن تأخذ استراحة محارب، وترمم بناها التحتية، وتفسح المجال لجبهات أخرى هادئة أن تشتعل مع (إسرائيل)، فالفلسطينيون متواجدون في جميع الدول التي ترتبط بحدود مع (إسرائيل)، وبإمكانهم أن يأخذوا زمام المبادرة، ويمنحوا غزة فرصة التقاط الأنفاس.