كشف العدوان الصهيوني على غزة الكثير من مظاهر الاخفاق لدى الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، على المستويين التكتيكي والإستراتيجي. وإن كان أحد أهم مهام الإستراتيجية للاستخبارات الإسرائيلية يتمثل في مدى المستوى السياسي بتقديرات حول طابع وماهية المخاطر الأمنية التي تتهدد الكيان الصهيوني، فقد دلل مسار الحرب على أن الاستخبارات الإسرائيلية، بأجهزتها الثلاثة، أخفقت في توقع حدوث الأحداث التي أفضت للحرب الأخيرة، علاوة على أنها أخطأت في تقدير وتقييم العوامل التي أثرت على مسار الحرب. وقد حازت اخفاقات الاستخبارات في الحرب على اهتمام النخب الصهيونية، التي تساءلت عن عوائد الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية التي تستثمرها إسرائيل في الاستخبارات في ضوء انجازاتها المتواضعة. ويشير أمنون لورد، المعلق العسكري في صحيفة «ميكور ريشون» إلى أن أخطر اخفاقات الاستخبارات الإستراتيجية تتمثل في عجزها عن توقع الحرب، مشيراً إلى جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك»، المسؤول عن مواجهة المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يتمكن من توقع عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة التي قادت للحرب. وفي مقال نشرته الصحيفة بتاريخ 28-8 نوه لورد إلى أن شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، أكبر الأجهزة الاستخبارية، أخفقت في توقع أخطر أنماط الهجوم التي اعتمدتها «حماس» خلال الحرب، وهي اختراق الحدود وتنفيذ عمليات خلف صفوف الجيش الإسرائيلي، وهي العمليات التي أهانت إسرائيل ومست بـ «سيادتها»، وأحرجت قيادة الجيش والاستخبارات. لكن الجنرال نحمان شاي، النائب عن حزب العمل، والذي كان ناطقاً بلسان الجيش الإسرائيلي يرى أن أخطر مظاهر الفشل الاستخباري الإسرائيلي من ناحية إستراتيجية تتمثل في الانطلاق من افتراض خاطئ مفاده أن التحولات الإقليمية ستردع حماس عن خوض مواجهة ضد «إسرائيل». وفي مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الصهيونية الأولى الخميس الماضي، نوه شاي إلى حقيقة أن الاستخبارات الصهيونية أوصت بتنفيذ عمليات الاغتيال ضد نشطاء الجناح العسكري لحركة «حماس» عشية اندلاع الحرب، على اعتبار أن الحركة لن «تخاطر بالرد بشكل يفضي إلى اندلاع مواجهة شاملة، وهذا ما تبين أنه توقع غير دقيق». وحسب يشاي، فإن كلاً من المؤسسة الاستخبارية والقيادة السياسية في تل أبيب قد أخطأت عندما اعتقدت أن «حماس» ستقبل بأن تفرض «إسرائيل» قواعد المواجهة لمجرد أنها فقدت تحالفاتها مع مصر وسوريا وإيران.
ويرى كثير من المعلقين الصهاينة أن استغراق الاستخبارات في محاولاتها تصفية القيادات العسكرية لحماس قد أفضى إلى نتائج عكسية يفاقم فقط من المخاطر الإستراتيجية التي تتعرض لها إسرائيل. وأشار ألون بن دافيد، المعلق العسكري في قناة التلفزة العاشرة إلى أن التجربة دللت على أن قيادات المقاومة التي حلت مكان القيادات التي اغتيلت على أيدي الاستخبارات الإسرائيلية كانت أكثر تطرفاً وأشد تصميماً. وفي تقييم لنتائج الحرب، عرضته القناة في 28-8، نوه بن دافيد إلى حقيقة أن تصفية قيادات الجناح العسكري لحماس في جنوب القطاع لم تؤثر بالمطلق على أداء الحركة العسكرية ودافعيتها لمواصلة القتال. ويرى مراقبون في تل أبيب أن الاخفاقات الاستخبارية خلال العدوان على غزة تنضم إلى سلسلة من الاخفاقات التي وقعت فيها «أمان»، وهو الجهاز المسؤول عن تقديم التقديرات الإستراتيجية لصناع القرار في تل أبيب. وأعاد هؤلاء المراقبون للأذهان حقيقة أن أفيف كوخافي، رئيس «أمان» توقع بعد عشرة أيام على اندلاع ثورة 25 يناير في مصر أن يتمكن الرئيس مبارك من البقاء في الحكم، في حين توقع وزير الحرب السابق إيهود براك سقوط نظام الأسد في غضون 3 أسابيع، من اندلاع الثورة السورية. ولا خلاف في تل أبيب على أن التحقيق في اخفاقات الاستخبارات سيمس بمكانة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،على اعتبار أنه المسؤول المباشر عن جهازي «الشاباك» و»الموساد»، ويفترض أن يتحمل جزءاً من المسؤولية عن أي من مظاهر الفشل في أداء هذين الجهازيين. وفي مواجهة الاخفاقات في عمل الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، فإن النخب الصهيونية أشارت إلى أن القدرات الاستخبارية للمقاومة قد فاجأت دوائر صنع القرار في تل أبيب. فقد اعترف وزير الحرب موشيه يعلون في مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الأولى وبثتها الجمعة الماضي أن القدرات الاستخبارية لحركة «حماس» تماثل قدرات دولة ذات تراث استخباري جيد. وكشف يعلون النقاب عن أن الجناح العسكري للحركة «كتائب عز الدين القسام» كان يحدد بدقة الوقت الذي يقوم به كبار قادة الكيان الصهيوني السياسيون والعسكريون للمستوطنات اليهودية في محيط القطاع ويستغل ذلك في محاولة تصفيتهم عبر تكثيف القصف على تلك المستوطنات تحديداً. وأشار إلى أنه ألغى زيارة كانت مقررة لكيبوتس «ناحال عوز»، بعدما تبين أن لدى «حماس» معلومات مسبقة عن الزيارة. وفي السياق، نقلت صحيفة «ميكور ريشون» عن محافل أمنية واستخبارية صهيونية قولها إن مقتل عدد كبير من القيادات العسكرية في ألوية الصفوة ووحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب كان نتاج القدرات الاستخبارية التي تمتعت بها «حماس».