من يقلبُ صفحات التاريخ للعبرة لا يكاد يجد صفحة فيها على مر العصور توحي بأن ساكني غزة من أهلها الأصليين قبلوا الخنوع لأي عدو هاجمهم أو مُحتلٍ طامع في ترابهم. وخلال سنوات التاريخ القريبة جدا نجد أن غزة خاضت أربعة حروب ضد المحتل وأدواته في أقل من عشر سنوات، وفي كل هذه المواجهات كانت تخرج رافعة جبهتها وإن كانت قد تخضبت بالدماء.غزة2
في يونيو عام 2007م وبعد أن منح الشعب الفلسطيني ثقة قيادته لحركة “حماس” أعدت الأحزاب المختلفة بما فيها “إسرائيل” خطة للقضاء على “حماس” وإهانة من اختارها، واعتمدت هذه الخطة على عملاء من الداخل الفلسطيني، فانتصرت غزة، بينما الضفة لا تزال تتجرع كأس المهانة حتى الآن. وفي العام 2008- 2009م شنت “إسرائيل” عدواناً على غزة بتحالف عربي ودولي، لكنها لم تحقق أهدافها ولم ترَ راية بيضاء ترتفع في سماء غزة. أما في نوفمبر عام 2012م فشنت ذات القوة العاتية حرباً لاختبار إفرازات ما سُمي بـ” الربيع العربي” فتعرضت “إسرائيل” لإهانة كبيرة حينما قُصفت “تل أبيب”، وهو أمر لم تفعله كل العواصم الإسلامية مجتمعة بينما فعلته غزة. لم تتعلم “إسرائيل” الدرس وواصلت حشد الأحزاب حتى وصلت إلى يوليو عام 2014م وشنت عدواناً هو الأوسع على غزة وضربتها بقذائف وسلاح تعادل قوته ستة قنابل نووية على مدار واحد وخمسين يوما، لم ينصر غزة أيا من العرب أو المسلمين الذي على النقيض من الفطرة واصلوا الدعم والتمويل لعمليات “إسرائيل” لكسر شوكة غزة، انتهت الحرب هذه المرة وشوكة غزة علقت في حلقهم، أما غزة فخرجت تحتفل وقد لعبت مع “إسرائيل” على طاولة شطرنج من صناعة العام 2014م، صنعتها بكل فخرٍ بأيدٍ فلسطينية غزاوية.
وأمام تلك المواجهات المتتابعة يتساءل الكثيرون ومن بينهم حلفاء أميركا و” إسرائيل” في المنطقة، وسيأخذ سؤالهم جلسات طويلة من النقاش والتحليل، وكنت أتمنى أن يأخذ ذات السؤال نقاشا من أهلنا في الضفة المحتلة ومن قادوا في يوم من الأيام الربيع العربي الذي بات يذبل شيئا فشيئا، والسؤال هو: لماذا لا تُهزم غزة؟.
في العام 2009م والعام 2012م التقيتُ بالعديد من المتضامنين العرب الذين زاروا غزة وعاشوا مع أهلها أياماً، وأزعم بأن شُحنات العزة القليلة التي استمدوها من غزة دفعتهم لقيادة ثورات الربيع العربي، لكن تلك الشحنات لم تكن كافية “كما يبدو لأنها جاءت بشكل سريع” لحصد ثمار الانتصار، وواضح بأن العرب جمعيا بعد إزاحة بعض الزعماء من فوق صدورهم اعتقدوا أنهم انتصروا، فنزلوا عن جبل أحد مرة أخرى يجمعون الغنائم فأحاطت بهم الدوائر، وبالتالي فهم بحاجة إلى شحنات جديدة من غزة ودروس في كيفية صياغة الانتصار والكرامة، ومحاضرات عملية في كيفية حصاد نتائج تلك الكرامة.
وحتى أقوم بتوفير الوقت على أعداء غزة، فالسبب في عدم هزيمتها سابقاً أو لاحقاً بإذن الله تعالى، أن شعبها يؤمن إيماناً راسخا بأنه يقوم بالفطرة السليمة التي تقول بأن الإنسان السليم لا يمكن أن يقبل لأحد أن يسلب أرضه أو يُهين كرامته فيسكت على ذلك أو يُعطيه صكوكا بالشرعية في دياره التي سلبها ذلك المحتل منه. شعب غزة فطرته أنه يمكن أن يكون ضعيفا في مرحلة من المراحل، لكنه لا يقبل أن يبقى كذلك و “ينام في العسل” كما يفعل أهلنا في الضفة هذه الأيام، وإنما يقوم بالتجهيز والعمل والاستعداد والتطوير والتصنيع، استعداداً لمواجهة مع العدو يقصم ظهره بها، ولا يُضيره في ذلك تآمر الصديق وابن الوطن الواحد أو العروبة المنسية، إنما يعمل ويعمل ويعمل مصداقا لأمر الله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ…”، فالإنسان الغزي يُدرك أن عليه العمل بكل إمكانياته، أما النتائج والتوفيق فأمرها يبقى لله.
إن المواطن الغزي أدرك بأن الحقوق لا تمنح بالاستجداء أو على طاولات المفاوضات، وإنما حينما تهون الدماء في سبيل نجاح الفكرة التي يؤمن بها صاحبها، وحينما يصل الإنسان لتلك الدرجة التي تهون فيه الدماء التي تجري في عروقه حينها لن يستطيع أي واحد من البشر أن يهزمه ولو امتلك كل سلاح الدنيا، وهذا حال أهلنا في الضفة في يوم من الأيام، كانوا يعيشون بعزة وكرامة وإباء لا يملكها أحدٌ من الناس، فكان الواحد منهم يفجر نفسه في أعداء الله المحتلين فيذيقهم من ذات كأس الذل التي يذيقونها لأبناء شعبه، حتى وصل الحال برئيس وزراء العدو الصهيوني المجحوم “إسحاق رابين” أن قال في يوم من الأيام ردا على تصاعد وتيرة العمليات الإستشهادية: “ماذا تُريدون مني أن أفعل مع شخص يُريد أن يموت!!”، هكذا حيرت الضفة المحتلة أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط يوم أن امتلكت قيمة التضحية بالدم، وبعد أن غابت عنها هذه القيمة كما غابت عن الشعوب العربية بعد جولات الربيع العربي فها هي تتجرع من كأس المهانة مع بزوغ كل شمس أو أفولها، وحتما فالخيار لا يزال بأيديهم.
إن العزة التي تمتلكها غزة جعلتها في الحرب الأخيرة وعلى يد كتائب القسام والمقاومة تفاجئنا في كل يوم، فمرة تضرب “تل أبيب” ومرة “حيفا” ومرة أقصى شمال فلسطين المحتلة، ومرة تعلن لنا صناعة طائرات استطلاع بأجيال مختلفة، بينما جيوش العرب تفاجئنا بصناعة المعكرونة، ومرة تواجه العدو بعمليات خلف خطوطه بينما فريق “الحياة مفاوضات” يفاجئنا بعمليات إنزال خلف الوزيرة الصهيونية “تسيفي ليفني” ومن مسافة الصفر.
ولأن غزة تمتلك العزة والكرامة وترفض الاستسلام فالتوفيق الرباني بات يأتيها تباعا، حتى وصلنا لمرحلة أن يخرج “أبو عبيدة” الناطق باسم كتائب القسام ويعلن حظر التجول للمستوطنين الصهاينة في مستوطنات غلاف غزة ووقف الدوري العام داخل “إسرائيل” ووقف الرحلات لمطار “بن غوريون” حتى إشعار آخر من قائد أركان المقاومة “محمد الضيف”، فهذا شكل قمة الانتصار من الله سبحانه وتعالى.
وبالمناسبة لقد كان لنا ما أراد القسام، فتم وقف الدوري العام في “إسرائيل” بعد ساعات من التهديد، وتم إلغاء العديد من الدول لرحلاتها الجوية للمطار الصهيوني الأكبر، أما مستوطنو غلاف غزة فلم يعودوا إلا بعد ثلاثة أيام لمساكنهم بعد قرار آخر من “محمد الضيف”.
إن الضفة الغربية والشعوب العربية قادرين للوصول لهذه الدرجة من العزة والشموخ ورفض الظلم والحكم الظالم، بل وأكثر من ذلك، وهذا الأمر بأيديهم، غير أن كل شيء له ثمن، وثمن الحرية الدم. وبعد ذلك: هل أدركتم، لماذا لن تُهزم غزة؟.