الأسباب العشرين للاحتفاء بالنصر المبين

نشر 31 اغسطس 2014 | 05:26

منذ إعلان العدو الصهيوني قراره بإشعال حرب مفتوحة ضد غزة ومواطنيها في يوم الثامن من يوليو من العام 2014م أدركت أننا على أبواب حرب لم يسبق لها مثيل، فقد كانت المؤشرات توحي بذلك، فالوضع الفلسطيني منقسم ومترهل، والأنظمة العربية متآمرة ضد المقاومة وضد شعوبها، وليس انتهاء بنظام عالمي يعمل جاهدا على تشكيل خريطة تحالفاته في المنطقة مرة أخرى.

1

بدأت الحرب وطوت اليوم تلو الآخر، ومع كل ساعة مضت ارتقت أرواح أبرياء بسقوط صواريخ الاحتلال وقذائفه، والتي كانت سببا في انطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية وقذائفها نحو المدن والبلدات الصهيونية، وتشكلت معادلة في هذه الحرب أركانها غير متوازنة، فعلى الصعيد الفلسطيني كان زيادة قتل العدو وإرهابه سببا في التفاف الشعب حول المقاومة وزيادة تصديق روايتها، أما على الجانب الصهيوني؛ فكانت صواريخ مقاومتنا الباسلة سببا في إحداث شرخ بين المجتمع الصهيوني وقيادته.

2

انتهت الحرب، وقدّر المولى تبارك وتعالى أن ألتقي بذاك الطبيب “وهو ليس ككل أطباء فلسطين”، فهذا الطبيب على مدار شهور نظرت له نظرة ازدراء ودونية، وجاءت هذه الحرب التي دفعتني لتغيير نظرتي إليه بعد أن اقتنع بالمقاومة ورجالها، وهذا ما أكده لي بعد انتهاء الحرب حينما وجدته خارجا لشوارع مدينة غزة بعد ساعتين على إعلان التهدئة مع العدو، ليحتفي مع أبناء شعبنا بانتصار المقاومة، وللتذكير فهذا الطبيب قبل شهور على اندلاع العدوان كان من المهاجمين للمقاومة والمشككين بصواريخها التي ضربت (تل أبيب) خلال معركة “حجارة السجيل” في العام 2014م، لكنه أكد أن المقاومة في حرب “العصف المأكول” أظهرت بطولة وشجاعة وتجهيزا بدّل قناعاته نحو الإيمان بها وتصديق روايتها.3

تغيرت قناعة “الطبيب المُشكك”؛ فخرج للاحتفال بانتصار المقاومة كما خرج غيره للغاية ذاتها، وهي مسألة أعتقد أن أسبابها تتمثل في التالي:

1- أظهرت المقاومة الفلسطينية مقدرة على الصمود لمواجهة أقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط، بل وإيقاع خسائر فادحة في صفوفه لم تفلح ستة جيوش عربية في إيقاع جزء منها على مدار عقود من الزمن.

2- أظهر الشعب الفلسطيني صمودا منقطع النظير في مواجهة الترسانة الحربية الصهيونية التي عملت جاهدة على مدار الساعة في سبيل فصله عن المقاومة، فقدم الشعب البيت والمصنع والأبناء، واستمر في دعم مقاومته.

3- كشفت الحرب على غزة قادة العرب والمسلمين وبدا جليا منهم من يتآمر على القضية الفلسطينية من ذاك الذي يدعمها بحق، فظهرت حقيقة أمراء وملوك ورؤساء أمام شعوبهم بعدما قاموا بتمويل حرب تقضي على جزء من قوميتهم العربية الضائعة.

4- كشفت الحرب العلماء والمشايخ الحقيقيين الذين يقودون شعوبهم وقت الأزمات، تماما كما أظهرت مشايخ السلاطين الذين حرموا الوقوف مع أهل غزة بمسيرة واعتصام على الأقل بدعوى “الخروج على طاعة ولي الأمر”، فبدا الصنف الثاني من المشايخ الذين لا يصلحون إلا للحديث عن أحكام الطهارة الخاصة بالنساء “مع الاحترام للنساء بكل تأكيد”.

5- عملت الحرب على توحيد الموقف الفلسطيني لكل الفصائل الإسلامية والوطنية “وإن كان البعض وجد نفسه مُجبرا على الوحدة”، وهو أمر انعكس على الموقف الشعبي في مواجهة الاحتلال ومخططاته.

6- عززت الحرب من التكاتف الشعبي بين المواطنين، فلم يتم هدم بيت لأحد المواطنين ويجلس في الشارع، بل احتضنه الأهل والجيران وأبناء العشيرة.

7- غابت النظرة الحزبية الضيقة لما يجري من عدوان، وسيطرت النظرة الوطنية الخالصة والتأييد المطلق من الكل الفلسطيني لأي عمل مقاوم يؤلم العدو، بغض النظر عن الطرف المنفذ له.

8- أظهرت الحرب الحرفية العالية التي تتعامل بها المقاومة الفلسطينية والتخطيط الذكي للمعركة مع العدو والموائمة بين السياسي والعسكري، ويكفينا فخرا أن صواريخنا التي ضربت مدنا صهيونية لم يضربها أحد منذ احتلال بلادنا وديارنا، ومعداتنا القتالية المختلفة، وطائرة أبابيل بأجيالها المختلفة، وغيرها هي صناعة قسامية بأيدٍ فلسطينية رغم الحصار وقطع الأموال.

9- صححت الحرب على غزة المفاهيم لدى أطراف طعنت المقاومة في ظهرها على مدار سنوات طويلة، وجاءت الحرب لتؤكد أن شهداء المهمات الجهادية كانوا يعملون في الخفاء ولم تقتلهم تنظيماتهم كما أشاعت تلك الجهات في أوقات سابقة.

10- عززت الحرب من رؤية من يقول إن الجندي الصهيوني جندي ضعيف وبالإمكان القضاء عليه إن وُجد عنصر بشري يؤمن بقضيته ويدافع عنها.

11- جاءت نتائج الحرب لتؤكد بأن العدو الصهيوني لم يتوقع النهايات التي اختتمت بها المقاومة الحرب، ولو كان لديه أدنى معرفة بنتائجها وانعكاساتها عليه لما ذهب إليها.

12- بدأت الحرب على غزة بأهداف صهيونية متعددة وكثيرة، أبرزها القضاء على حركة “حماس” لتنحصر الأهداف في نهايتها بمجرد إبرام اتفاق سياسي مع الحركة يوقف معاناة الصهاينة الذين باتوا حبيسي الملاجئ بقرار من القائد العام لكتائب القسام “محمد الضيف”.

13- أظهرت الحرب شرف البندقية القسامية، فقد كان العدو الصهيوني يقتل المدنيين الأبرياء بينما كانت المقاومة تختار قتل الجنود المحاربين فقط، وهو ما أدى إلى فقدان الرواية الصهيونية في الغرب لركائز ترويج الأكاذيب لدى تلك الدول، وبالتالي عزز رواية المظلومية الفلسطينية لدى القطاعات الشعبية في تلك الدول، وخرجت تضامنا مع غزة.

14- إن استهداف كتائب القسام للجنود الصهاينة دون المدنيين “وإن كان لديهم مبرر للتعامل بالمثل في قتل المدنيين”، واستهداف قادة لجيش الاحتلال واستهداف الجنود الصهاينة في أوقات تبديل مجموعاتهم على حدود القطاع، أظهر أن لدى المقاومة الفلسطينية مقدرة على المواجهة الإستخبارية بعد المواجهة العسكرية، أي أنها تعمل بتخطيط وعن دراية.

15- أظهرت المقاومة الفلسطينية مقدرة فائقة على تحقيق تحذيرها بأن العدو يملك قرار بدء الحرب لكنه لا يملك قرار انتهائها، وتمثل ذلك في أن كتائب القسام قتلت جنودا للعدو في الدقائق الخمس الأخيرة من العدوان، كما أن مستوطني غلاف غزة لم يرجعوا لبيوتهم، وحركة الطيران في مطار “بن غوريون” لم تعد للعمل مرة أخرى إلا بعد رفع حظر التجوال الذي أعلنه القائد العام لكتائب القسام “محمد الضيف” بعد سريان اتفاق التهدئة.

16- أظهرت الحرب على غزة الفشل الإستخباري الصهيوني؛ فلم يصل الاحتلال إلى أي من القيادات السياسية التي كان أعلن أنها على قوائم الاغتيالات، كما لم يصل إلى أهداف ذات مغزى للمقاومة الفلسطينية من قبيل ورش تصنيع وأنفاق إستراتيجية وغيرها.

17- حطمت الحرب الرواية الصهيونية القائلة إن طائرات الاستطلاع يمكن أن تعرف ماذا يأكل الفلسطيني في بيته، وبدا واضحا مع تنفيذ المجاهدين لعمليات خلف خطوط العدو أنها مجرد وهم مع التعامل الذكي لرجال المقاومة الأبطال.

18- أظهرت الحرب الصهيونية على غزة كذب الشائعات التي روجها العدو الصهيوني وأبواقه بأن هناك آلاف العملاء المجندين في صفوفه ويعملون ضد مصالح شعبهم، وهذا ظهر من فشل العدو خلال الحرب من الوصول لأهداف إستراتيجية للمقاومة والاقتصار على استهداف المدنيين، كما ظهر من خلال الدور الأمني لأجهزة الأمن الفلسطينية في غزة ونتائج الملاحقات التي قامت بها بحق العملاء.

19- أظهرت الحرب بما لا يدع مجالا للشك محدودية تأثير الآلة العسكرية الصهيونية على تغيير إستراتيجية المواطن الفلسطيني الداعم لمقاومته ورجالاتها، بل إن الحرب عادت عكسيا على العدو الصهيوني بعد طلب آلاف الفلسطينيين الالتحاق بصفوف المقاومة في سبيل تعجيل تحرير بلادهم ووطنهم.

20- تأكدت “إسرائيل” وحلفاؤها من العرب والمسلمين والفلسطينيين أن “حماس” تتعامل بأسلوب ومنهجية يجعل من الصعوبة بمكان أن تقضي عليها أي قوة في الأرض وتنزعها من فلسطين، فهي حركة تعيش بين الجماهير بأفراحهم ومآسيهم، وبالتالي فهي منهم وهم منها.

صحيح أن حرب “الأحزاب الجُدد” انتهت على غزة بانتصار حركة “حماس” والمقاومة الفلسطينية، وهو انتصار رسم خريطته الشعب بدماء أبنائه، وسيكون أمام قيادة هذا الشعب معضلة كبيرة خلال الفترة المقبلة تتمثل في ضرورة صياغة الإستراتيجيات والأولويات استعدادا لحرب التحرير المقبلة، وهي استراتيجيات لن تقبل أن نواصل حديثنا بلغة الأخوة مع أنظمة عربية تدعم تمويل حرب ضدنا أو تقدم معلومات عن قادة مقاومتنا ليتم قتلهم من قبل عدو صهيوني وبسلاح أمريكي ممول من نظام خليجي.