في الكثير من اللقاءات التي جمعتني بالمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة خلال أيام العدوان الصهيوني التي لا تزال متواصلة، كانوا يسألوني كصحفي عن الأوضاع المتعلقة بالعدوان وتوقعاتي بموعد انتهائها، كنت أجيبهم بما توفر عندي من معلومات، لكن غير المتوقع من جانبهم كما أخبروني هي حالة التآمر التي تعرض لها القطاع المحاصر منذ أكثر من تسع سنوات، وبخاصة من جانب العرب والمسلمين.غزة
المواطن الفلسطيني معه حق فيما يذهب إليه من تفكير، فهو مواطن في غالبيته العظمى متعلم ومثقف وكما يقولون “يفهمها عالطاير”، ولذلك كان من البديهي أن تظهر له معالم المعركة الأخيرة على غزة وحجم التآمر فيها. وما بالنا وقد تكشفت الحقائق الواحدة تلو الأخرى عبر وسائل الإعلام المختلفة عن تفاصيل معركة يجب أن نُطلق عليها مصطلح “معركة الأحزاب الجديدة” لما تشابهت فيه كثيراً مع تلك المعركة التي حدثت زمن النبي “محمد صلى الله عليه وسلم”، وإن كان وجه الاختلاف بينهما أن تلك المعركة قادها النبي الأعظم الذي استمد منه الصحابة الصبر والثبات، بينما شعب فلسطين قاد المعركة وحيداً دون نصير له غير الله الذي لا يغفل ولا ينام.
قد يتهمني البعض فيما أطرح بالتشاؤم أو كيل الاتهامات للعرب والمسلمين، لكني أختلف مع من يذهبون إلى هذا الرأي وأسأل من يحمل رأيا بهذا الشكل سؤالا من الأسئلة التالية، فإن كان يمتلك إجابة فأنا بالانتظار، وأسئلتي هي:
ماذا فعلت الدول العربية والإسلامية أنظمة وشعوب للوقوف إلى جانب أهل غزة؟
ماذا فعل العدو الصهيوني في أهل غزة؟ وهل ما فعله قليل ليصمتوا صمت القبور؟
ماذا فعلت السلطة الفلسطينية على المستوى الدولي والدبلوماسي لنصرة أهل غزة؟
كيف عاش المواطن الفلسطيني أجواء الحرب التي امتدت لأكثر من أربعين يوما؟
لمن لجأ المواطن الفلسطيني خلال تساقط القذائف والصواريخ فوق بيوتهم؟
من كان يملك من مواطني غزة الأمان حين التوجه لقضاء حاجته والعودة دون أن تقتله طائرات العدو؟
وبالعودة إلى غزوة الأحزاب الأولى، فقد حدثت في وقت يشابه إلى حد كبير الوقت الذي جرت فيه معالم العدوان التي نعيشها في قطاع غزة، بل وتمثل كما قلت مواطني القطاع المحاصر ما يجري لهم بمعركة أحزاب أخرى، وبدت الآية العاشرة من سورة الأحزاب ماثلة أمامهم طوال أيام العدوان: “إِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)..
ومعالم الشبه عظيمة بين المعركتين وهي مشاهد ربما غابت عن عقول من تآمر على الشعب، وكانت نظرتهم لبداية المعركة بينما نهاية المعركة وما تبعها فقد غابت عن الأنظمة العربية- وهي أمور سأذكرها لاحقا-، لكن من الشبه بين المعركتين أن المواجهة بين المسلمين وأعدائهم كانت تتم عن بُعد أما الالتحام الذي جرى فكان في نقاط محددة أسفرت عن تسجيل نقاط انتصار للمسلمين.
صحيحٌ أن غزة وأهلها تركتهم الأنظمة العربية والإسلامية الخائنة والعميلة والمتواطئة مع الاحتلال الصهيوني إلا من رحم الله ومنهم “تركيا وقطر”، تركتهم في مواجهة وحيدة مع أعتى وأجرم قوة في الشرق الأوسط، بل ومولت العملية العسكرية كاملة من عوائد النفط العربي في سبيل القضاء على ما أسماه أحد زعمائهم القعيد “القضاء على إرهاب غزة”، لكن غاب عن بال هؤلاء أن الله تبارك وتعالى وقف مع أهل غزة وثبتهم ونصرهم رغم كثرة الأحزاب، وهو العادل الذي حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين الناس، وهل من ظلم أعظم من قتل المؤمنين الأبرياء داخل بيوتهم؟.
انتهت معركة “الأحزاب الجدد” أو تكاد، وسيتملك الخونة والعملاء الغيظ والغضب فغزة لم ترفع راية بيضاء دفعوا في سبيل رؤيتها كذلك مئات ملايين الدولارات من مال العرب، وباتوا اليوم يحاولون مسح العار الذي ارتكبوه من خلال دفع فتات من أموال العرب تحت عنوان “دعم القطاع الصحي لأهالي غزة”.
لن أطيل الحديث عن هؤلاء الذين عرفهم المجتمع الفلسطيني فردا فردا، وخلال ساعات الليل وبينما كانت تتهاوى القذائف والصواريخ على الآمنين كانت تصعد إلى رب السماء دعوات المظلومين تسأل الله أن ينتقم منهم، وعلى الجانب الآخر ولربط الأحداث للمعركتين مع بعضهما البعض، فيمكن القول: إن معركة الأحزاب الجدد سيكون من نتائجها بإذن الله عاجلا أو آجلا، انهزام العدو الصهيوني وتراجعه وإذلاله وخضوعه، وإعادة المقاومة الفلسطينية لدراسة خارطة حلفائها ورسم خارطة التعامل مع الأنظمة العربية التي تحالفت مع العدو الصهيوني، وحتما فمن انتصر على العدو الصهيوني لن يقبل أن يتعامل بذات الأسلوب مع من تعامل ضد الشعب والقضية الفلسطينية، وهي نتائج ستنعكس حتما ربيعا وارف الظلال على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية بإذن الله.
باختصار ولمن يمتلك عقلا للتفكير: إن غزة على مر التاريخ كانت من أكثر مناطق العالم مودة لمن يحترمها ويقدرها بل يمكن أن تقدم في سبيل ذلك الكثير من كبريائها احتراما لمن يحترمها، وفي ذات الوقت فقد كانت- وهكذا نعرف من اسمها- شوكة في حلق كل من تآمر عليها ودفع الأموال للقضاء على أبنائها وتدمير بيوت أهلها وممتلكاتهم، وهي حقيقة يجب أن يعلمها حكام وزعماء الدول العربية قبل فوات الأوان؛ لأنهم إن انتصرت غزة ورأتهم أمامها أذلاء فلن ترحمهم.