لا بد أن خبر اعتزام إدارة مهرجان جرش ايقاف النشاطات والحفلات عند رفع آذان العشاء احتراما للشعائر الدينية يشكل نكتة الموسم ويذكر بمواقف أحزاب في بلاد عربية تنسب نفسها للدين تفتي بحرمة الموسيقى ولا تفتي بحرمة الدماء! اي سفاهة وانحدار وعلمنة يمكن أن نقترف أكثر من هذا في بلد ينتسب الى الهاشميين والى الرسول المصطفى؟! ولكن المتتبع لسياسات الدولة يرى دأبها على الاستهانة بالمقدسات والرموز الدينية في الوقت الذي تقوم البلد ولا تقعد احتراما لزيارة الرموز الدينية الأخرى!
وماذا يعني رفع الأذان بدون موسيقى ليليه الهز والخلع على كل ما يناقض الله أكبر؟! تذكر هذه الممارسات التي لا معنى لها سوى الاستخفاف بالدين ببث الأذان على التلفاز في أوقات الصلاة وهو الأمور المحمودة لو كان بريئا وخالصا فهو استخدام جيد لهذه الوسيلة الاعلامية المتطورة لإسماع نداء الله لكل المشاهدين خمس مرات في اليوم وتذكيرهم بالفريضة المرتبطة به التي هي عماد الدين وعهد المسلمين لربهم، ولكن المصيبة هو ما يبثه التلفاز قبل وبعد الأذان مما يقوض أركان الاسلام والإيمان من أفلام ومسلسلات تتنافى في مضمونها مع المعاني التي يدعو اليها الأذان كمقدمة للصلاة التي من المفروض أن تستقيم بها حياة المسلم على الصراط المستقيم، واللا فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر كان كمن لا صلاة له ولم يزدد من الله إلا بعدا.
وما تقوم به بعض القنوات التلفزيونية هو مسخ ونزع لقدسية وعظمة الدين وعلمنة للشعائر، فالأذان وما يدعو إليه فيها فاصل مؤقت لا فرق بينه وبين الدعايات ينتهي بمجرد آخر كلمة فيه ليستأنف المشاهد ما كان قبله من أغنية أو قُبلة أو مفسدة قد تقعده متابعتها عما دعا الأذان إليه من الاسراع الى الصلاة و الفلاح، وتنسيه أن خير الأمور الصلاة على وقتها.
إن العبادات وعلى رأسها الصلاة لم تفرض ليؤديها المسلمون كراهة وتخلصا من الفرض، ولكن أفضلها ما كان طواعية ومحبة وشوقا وانتظارا. إن المقصود من الأذان أن يضع المسلمين في أجواء العبادة ويفتح قلوبهم لذكر الله وينزعهم من مشاغل الدنيا تمهيدا للصلاة، وهذا ما يؤكده قوله تعالى في سورة الجمعة «يا أيها الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع».
وحسن الاستماع هو أول مراتب حسن الأداء والتطبيق لذلك قال المؤمنون لربهم «سمعنا وأطعنا»، ولقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على وضع الصحابة في هذه الحالة النفسية المطمئنة لاستقبال الصلاة فكان يقول لمؤذنه بلال رضي الله عنه «أرحنا بها يا بلال» والراحة راحتان: راحة للقلب وأخرى للجسد، ولقد ألهم الله سبحانه وتعالى رسوله وصحابته كلمات الأذان حتى يكون النداء للعبادة مخاطبا للقلب مميزا عن غيره من الديانات التي اتخذت وسائل تصدر أصواتا دون معان كالناقوس والجرس، ثم ينتقل وعي القلب الى عمل الجوارح ليردد اللسان مع المؤذن كما ورد في السنة المطهرة.
وجاء الحديث النبوي ليؤكد أهمية الوقت بعد الأذان فجعل الوقت ما بين الأذان وإقامة الصلاة مستجاب الدعاء، وهو الوقت الذي تتابع فيه بعض المهرجانات والتلفزيونات ما تبثه من الغثاء، وبيّن الرسول ما يجب من العمل بعد الأذان فقال «من قال حين يسمع النداء (أي بعده) اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة»، وعني الاسلام بالأوقات بين الصلوات فجعل من الرباط انتظار الصلاة الى الصلاة، والانتظار المستحب ليس فراغا لا يجدي أو تضيعا للوقت، وإنما هو انتظار يملؤه الذكر والعلم و عمل الخير.
إن حال الأذان في كثير من مناسباتنا وتلفزيوناتنا هو حال الصلاة في حياتنا، فاصلٌ على عجل و أداء دون إقامة، وتضيع للمعاني وتفريط بالفضائل.
فلا غرو إذن والأذان تتبعه أغنية يتراقص عليها الشباب أنه والصلاة لا يؤديان دورهما في حياتنا، وأن عموم أحوالنا الى انتكاس وارتكاس وهزيمة وصدق الشيخ يوسف القرضاوي إذ قال:
لا يصنع الأبطال الا في مساجدنا الفساح
شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح
من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
إن الأذان استفتاح للعبادة، ومن صلحت بدايته صلحت نهايته، وكانت صلاته منهاج حياة لا عملا وقتيا كصلاة العابد الورع حاتم الأصم الذي أجاب عندما سئل يا إمام كيف تصلي فقال «أقوم بالأمر، وأمشي بالسكينة، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأسلم بالسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله عز وجل، وأخاف ألا تقبل مني».