تحب الشعوب تمجيد ذواتها وإبراز أفضلياتها وتبيان أوجه الاستثنائية التي تختص بها عن غيرها وقد يصل الاعتقاد بأفضلية الذات إلى حالة من النرجسية المرضية التي تخيل لأصحابها بأنهم استثناء من القوانين التي تحكم غيرهم من الأمم والأقوام وأنهم ليسوا مثل الآخرين في جريان السنن عليهم فلا يقبلون في ظل هذه الحالة محاكمتهم إلى السنن البشرية الطبيعية ويحبون دائماً تناول حالتهم في إطار مختلف وبذلك فإنهم يلغون أي احتمال لأن يصيبهم ما أصاب غيرهم من علل وأمراض أو أن يطرأ عليهم تأخر بعد تقدم أو هبوط بعد صعود أو هزيمة بعد نصر فهم حالة استثنائية لا يعرف الفشل والهزيمة إليهم سبيلاً!!
تستوقفني كثير من التعليقات التي يكتبها فلسطينيون في سياق مدح الذات يقولون فيها إننا شعب جبار لا نظير له وإن الخوف والهزيمة لا تعرف إلينا سبيلاً وإن في هذا الشعب ما يشبه الخصائص الجينية التي تحصنه ضد الخوف من الموت والقصف وتجعله يقابل تهديدات الاحتلال بسخرية ودعابة وإن في هذا أكبر برهان على أننا شعب لا مثيل له!! فهل الأمر كذلك فعلاً وهل نحن شعب التغت فيه الخصائص الفطرية الطبيعية في الإنسان من خوف وقلق وحب للحياة الهادئة المطمئنة والتغت فيه مشاعر الأمومة والأبوة والأخوة فلم تعد الأم تأبه باستشهاد أبنائها بما يعني مرحلةً متقدمةً عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي بكى عمه حمزة بشدة والذي خاطبه القرآن بخصائصه الفطرية الطبيعية: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً"!..
حين نعطي لأنفسنا ميزات استثنائيةً عن الشعوب والأمم الأخرى فنحن بذلك نسلم بحق كل شعب بأن يفعل مثلنا فيبرز أفضليته التي تعليه عن السنن الطبيعية في النفس والمجتمع ولن يعدم كل شعب صناعة رواية خاصة به تثبت أن له من الفضل ما ليس لغيره فالعراقي والمصري والسوري والتونسي يستطيع كل واحد منهم أن يقول بلسان الحال: "نحن شعب مالوش حل وصنعنا ما لم يصنعه غيرنا" بينما نهج القرآن يركز دائماً على السنن المشتركة بين الشعوب والأمم: "بل أنتم بشر ممن خلق" فالقرآن لا يقر بفكرة الاستثنائية التي تطرب لها الشعوب وترضي بها غرورها!!
ما يحدث هو أن الله تعالى أودع في الناس القدرة على التكيف مع ظروف حياتهم مهما تبدلت حتى يواصل الإنسان أداء رسالته في هذه الحياة وحتى تظل حقيقة الاختيار البشري حاضرةً في أي ظرف كان لذلك فإن كل شعب يستطيع أن يصوغ شخصيته بما يتناسب مع الظروف الطبيعية والسياسية التي يتعرض لها وهذه الحقيقة ليست حكراً على المسلمين وحدهم بل هي سنة عامة فالشعوب الأوروبية مثلاً استطاعت في ظل الحربين العالميتين المدمرتين التعايش مع واقعها الكارثي فسكن الناس في الملاجئ وتعلموا فيها لأن الإنسان لا يملك إلا أن يواصل مسيرة حياته لذلك فهو مضطر للتعايش مع أي ظرف ودائماً ما يخرج من مكنونه ما يؤهله للبقاء والمواصلة وهو أمر خاضع للسنن وليس للاستثناء الوراثي أو القومي بمعنى أن أي شعب كان سيوجد في ذات الظروف التي يوجد فيها الشعب الفلسطيني فإنه كان سيؤقلم نفسه تلقائياً مع طريقة الحياة التي نعيشها الآن وهذه الحقيقة إن لم تكن مفهومةً لنا في سنوات خلت إلا أنها تبدو الآن أكثر قدرةً على الاستيعاب في ضوء تماثل الحالة في عدد من البلاد العربية، وأذكر قبل سنوات أن أصدقاء سوريين كانوا يسألونني مستغربين كيف نعيش في غزة في أجواء القصف والحرب فكنت أبتسم وأقول لهم هي حياة طبيعية تماماً وما حدث الآن هو أننا نحن الذين صرنا نستغرب كيف يعيش الشعب السوري مع كل هذا القدر من القتل والتدمير على أرضه!! والأمر لا علاقة له بمعجزة بل هي السنن النفسية والاجتماعية التي أوجدها الحكيم لينتصر الإنسان على تحديات الحياة..
إن مواجهة الشعب الفلسطيني للقصف بالابتسام والسخرية وتسمية موجات القصف ب" الحفلة" لا يعني أن هرمونات الخوف الطبيعية قد نزعت منا إنما يعني أن هناك إطاراً اجتماعياً جديداً قد تشكل وأعيد فيه تحديد معايير ما هو مخيف ومقلق وما هو ليس كذلك بما يتناسب مع الحالة التي يعيشها الفلسطينيون منذ سنوات طويلة فمعايشة القصف لسنوات طويلة سيضعف بلا شك عوامل الاستثارة العصبية فالإنسان حين يعيش في مجتمع هادئ جداً فإنه سيستثار من صوت رصاصة واحدة لكن حين يستمع كل يوم إلى أصوات آلاف الرصاصات فإنه سيفترض أن هذا الرصاص لن يصيبه على الأرجح بحكم تأقلمه مع هذه الحالة لذلك فهو حين يقابل صوت الرصاص بالضحك فهي قضية تعود لا قضية شجاعة ولبرهان ذلك فلو أن أحد هؤلاء الأشخاص الذين لا يبالون بأصوات القصف والانفجارات قد كشف له الحجاب وعلم الغيب بأن القصف القادم سيدمر بيته أو سيقتل عزيزاً عليه هل ستكون ردة فعله العصبية على أي صوت انفجار قادم هي اللامبالاة أيضاً أم سيكون قلقاً ومتوتراً جداً!! هذا يعني أن القضية لا علاقة لها بشجاعة أو جبن بل إننا نسخر من أصوات القصف لأنه قد غلب على ظن كل واحد منا أنه لن يكون ضحية القصف القادم ولو أن شعباً اسكندنافياً يعيش الآن في هدوء وسلام قد تبدلت ظروفه وتعرض لحرب مدمرة اضطر للتعايش معها لسنوات طويلة فإن مراكز استثارة أفراده العصبية ستعطي ردود فعل مختلفة وسيكتسب هذا الشعب أيضاً مناعةً طبيعيةً تناسب المرحلة الجديدة التي دخل فيها..
لسنا استثناءً من الأمم بل نحن بشر ممن خلق..