كانت مفارقة واضحة بين مرحلة استعملني يا رسول الله ومرحلة وفاته في الصحراء وحيدا! فهل كانت مفارقة حقا أم أن أبا ذر وعى درس رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال له «يا أبا ذر إنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»؟ ولكن ما بين المرحلتين لم يقل أبا ذر نفسه من خدمة الدين ولم يغضب لأنه لم يكن في أعلى مراتب قيادة المسلمين فضربته السيرة مثلا للعالمين وظل دعاء الرسول يتردد له مع قصص البطولة الكبرى «رحم الله أبا ذر» بل لما ضعفت الثقة وتخلى الكثيرون وزاغوا كان هو دون سواه محل الثقة يلحق دائما بالركب ولو تأخر والرسول ينتظره كل يوم دون سواه ويناجي طيفه في الافق قائلا «كن أبا ذر» ليضرب مثلا آخر في الاستمساك بالحق والسير على ذات الطريق وليقول لمن بعده ذات العبارة كلما تباطأ مسيرهم او تاهوا، لم يغضب أبو ذر أنه طلب الولاية ولم يعطها كما لم يغضب الصحابة عندما أخرهم رسول الله الى الصف الثاني وقدم حديث السن اسامة بن زيد ولم يغضب خالد بن الوليد عندما عزله عمر عن قيادة الجيش وهو في أوج انتصاراته ببساطة؛ لأن انتمائهم للفكرة ولمشروع الاسلام كان يتجاوز كل اعتبار وتقدير وأولها ذواتهم والكل يساهم سواء أكان في القلب او على الاطراف وما تردى حال الدولة الاسلامية الا عندما أصبحت الاسماء تنافس الاسماء فجاء الامويون وقاتلهم العباسييون وهكذا دواليك وبدل ان تتكافأ دماء المسلمين في نصرة دينهم أصبحت تراق على سيوف بعضهم!
لم يكن كل الصحابة بنفس الدرجة من القربى والصحبة والتوافق وكان بينهم خلافات ولكنها كانت دائما تحل في دائرة الصف الواحد ليعود بينهم الصلح والتعاون في اجمل صوره او على الاقل سلامة الصدر في أدناها، ولذلك كان من اعظم قصص غضب الرسول عندما رأى ان صحابته نسوا ما يجمعهم وما أبلغهم العز والمجد والسلطان وعادوا يتنادون بقيم الدنيا ويتنازعون على أنساب الجاهلية بين اوس وخزرج فكادوا ان يضرب بعضهم رقاب بعض.
ان مجموع هذه السير ليؤكد لنا أن حالة العمل الاسلامي في أبهى العصور وخير القرون لم تكن حالة منزهة عن الصغائر فحيثما وجد الانسان يكون الخطأ، الفرق بين عصرنا وعصورهم أنهم كانوا ينحون الخاص لاجل العام ولو على حساب انفسهم واسمائهم وتاريخهم وحسن بلائهم لتظل راية الاسلام هي العليا ونحن نغرق في الحسابات الخاصة واصطناع ما نظنه مجدا شخصيا او الترسيخ لفكر او خط معين وننسى ان الله هو المعز والمذل وهو الخافض وهو الرافع وهو الذي يستخدم من يصطفي من عباده وهو الذي يستبدل من لا يليق وهو الذي يفتح قلوب عباده وهو سبحانه من ينزع المحبة والقبول منها ايضا ونحن كما نُنصر بضعفائنا فكذلك نهزم بأخطاء كبرائنا، وان التمحيص ينال المؤمنين ليمتحن اصحاب الولاء الخالص لله ومن خاضوا وخلطوا في النوايا والاعمال.
ما يغفل عنه الاسلاميون انهم اصبحوا في مرحلة الربيع العربي تحت المجهر، فكل حركة وسكنة وخطوة محسوبة عليهم والمتربصون يبهرون ويبالغون صغير الاخطاء ويتناسون الانجاز، يتناسى الاسلاميون انه لم يعد مجال للخفاء ولا للطبطبة وأن البيت الداخلي أصبح مفتوحا للعيان والبعض ينتظر ليقول فقط: انظروا ما يفعله الاسلاميون فمن لم يستطع ادارة حزب او جماعة او حركة بما يجمع الاعضاء من توافقات كثيرة هل سيفلح بحكم شعب على اختلاف اطيافه؟!
أسوأ ما قد يفعله اي اسلامي بخطأ عام او خاص ان يكون سببا في تحويل الناس عن فكرة الاسلام ومشروعه و صلاحيته للحكم!
ما حصل في مصر لم يكن حالة فردية في النمط الاسلامي بل أشار بوضوح الى وجود اخطاء تراكمت مع عوامل اخرى من الاستهداف الخارجي حتى مادت بذلك الانجاز والصرح واذا كان الاسلاميون تتكافأ افكارهم وتصرفاتهم فإن الايجابيات في مكان تعم على الجميع وكذلك السلبيات قد تكون سببا في بداية نخر يتجاوز المكان والزمان وما تظنه كلمة ألقيتها دون تمحيص او فعل دون اخلاص قد تعم عواقبه وتمتد!
ان الخارج قد اعلن العداء صراحة للاسلام ولكل مشروع اسلامي صادق ولم يبال بإراقة الدماء وتعليق الناس على أعواد المشانق والارتداد الى حقبة ظلامية من تاريخنا العربي والصمود لذلك يحتاج صفا قويا متماسكا ملتزما بالمبادئ لا يبالي بالشخوص ولا بأخطاء الافراد ولا اجتهاداتهم فمن احسن فلنفسه ومن اساء فعليها ومن أخطأ في تأجير عقله او ذمته لا يكون حجة سوى على نفسه! إنا لم نكن نهذي عندما آمنّا ان الحق يعرف بالحق ولا يعرف بالرجال واننا مطالبون بالعمل دون النظر الى من أخطأ او تخلف او تغيرت مبادئه.
الهزيمة كل الهزيمة ان يؤذي فعلك الدين من حيث ظننت انك تنصره، وسوف اعارض الاخت اميمة الاخرس التي قالت «ان الارض اذا زلزلت لا ينجو منها الا أصحاب الخيام» لأقول: إن الارض اذا زلزلت فإن أصحاب الخيم قد يكونون أول المزلزلين إن سكتوا عن حق أو برروا الباطل.
العمل للإسلام ليس خيارا إنه فرض ودليل الايمان ولا أحد يملك ان يعطيك هذا الحق او يفسح لك مكانا، ولو ظن ذلك، انت الوحيد الذي تستخدم نفسك في طاعة الله او تقيلها.