في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لواحدة من أكبر الحملات العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال، كشفت تل أبيب أنماطاً من التعاون الأمني الذي تبديه سلطة عباس من أجل تسهيل مهمة الكشف عن خاطفي المستوطنين، وانجاز مهمة تدمير بنى حماس التنظيمية والمؤسساتية. فقد كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة ليلة الجمعة الماضية النقاب عن أنه في إطار جهود "إسرائيل" الهادفة لحل لغز عملية الخطف، فإن جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي "الشاباك" قد اتفق مع السلطة الفلسطينية على إطلاق سراح عناصر وقيادات حركة حماس المعتقلين لدى أجهزتها الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، لكي يقوم "الشاباك" باعتقالهم على الفور للتحقيق معهم بشأن ظروف تنفيذ عملية الخطف. وقال الصحافي آفي سيخاروف، صاحب هذا السبق الصحافي، إنه تم توقيت الإفراج عن قيادات ونشطاء حماس من سجون السلطة بحيث يتمكن "الشاباك" من اعتقالهم على الفور.
وحسب سيخاروف، فإنه على الرغم من أن التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" ظل قوياً ولم يتأثر بالخلافات السياسية بين الجانبين بشأن مشاريع الاستيطان، فإن ما يميز طابع التعاون الأمني في الوقت الحالي حقيقة أنه بات يجمع بين تبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق الميداني، بحيث أن السلطة الفلسطينية تحرص على تهيئة الظروف الميدانية في المدن والبلدات ومخيمات اللاجئين في أرجاء الضفة لمساعدة الجيش الإسرائيلي على إلحاق أكبر الضرر ببنى حماس التنظيمية والمؤسساتية.
وينسجم ما يشير إليه سيخاروف، مع ما كشف عنه المعلق العسكري في قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى أمير بارشالوم، الذي أكد مؤخراً أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تعهدت ل"إسرائيل" بقمع المظاهرات التي ينظمها الفلسطينيون في أرجاء الضفة الغربية من أجل توفير الظروف الميدانية التي تسمح للجيش والمخابرات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات الاعتقال في صفوف حركة حماس في أقل قدر من المقاومة.
يحتفون بعباس
وقد خرج وزير المالية الإسرائيلي يئير لبيد عن طوره في كيل المديح للسلطة الفلسطينية بسبب تعميق تعاونها الأمني مع تل أبيب. وخلال مشاركته الجمعة الماضي في برنامج "أستوديو السبت" الذي بثته قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، قال لبيد،العضو في المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن:"ليس بإمكاني الكشف عن تفاصيل التعاون بيننا وبين السلطة، لكنه كبير حقاً، ونحن في المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن نراقبه وندرك أهميته ودوره في المس بحركة حماس الإرهابية التي يتوجب توجيه ضربات قوية لها من أجل تدميرها". من ناحيته قال نداف إيال، المعلق في القناة العاشرة:" إن التعاون الأمني لم يكن في يوم من الأيام أفضل مما هو عليه الآن، بصراحة عباس يقدم على مخاطرة كبيرة عبر هذه الخطوة".
وخلال البرنامج الحواري الذي بثته القناة الليلة الماضية، قال إيال: "عباس يخاطر، فبعد تعبيره عن موقفه الرافض لعملية الخطف ودفاعه عن التنسيق الأمني باللغة العربية وأمام مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية، فإن قطاعات واسعة من الفلسطينيين باتت تنظر إليه كعميل ومتعاون مع "إسرائيل"". ويذكر أنه على الرغم من أن الحملة الأمنية التي تشنها "إسرائيل" تركز على حركة حماس، إلا أن الجيش الإسرائيلي استغلها في اعتقال عدد من نشطاء حركة الجهاد الإسلامي وبعض نشطاء حركة "فتح" الذين يتمردون على الخط الذي يمثله عباس، سيما في مخيمات اللاجئين الواقعة في محيط مدينة نابلس.
توظيف خطاب عباس في شيطنة منتقدي تل أبيب
في الوقت ذاته، فإن النخب الإسرائيلية وظفت خطاب عباس أمام وزراء الخارجية الإسلامية في مهاجمة الأصوات التي تندد بالحملة العسكرية المتواصلة في الضفة الغربية. وانتقد يائير جولان مقدم برنامج "هذا الصباح" الإخباري التي تبثه شبكة الإذاعة العبرية الثانية صباح كل يوم، النائب حنين زعبي، القيادية في حزب "التجمع الوطني" بسبب رفضها اعتبار منفذي عملية الاختطاف "إرهابيين". ولدى شروعه في تقديم البرنامج، قال غولان:"محمود عباس،الذي يمثل الشعب الفلسطيني يعتبر خطف أبنائنا عملاً إرهابياً ولا يتردد في الدفاع عن التعاون الأمني معنا، في حين أن النائب الزعبي ترفض مهاجمة الخاطفين". وتزخر تعليقات الإسرائيليين على مواقع التواصل الاجتماعي بالعبرية بتعليقات تهاجم زعبي، حيث إن الكثير من هذه التعليقات استندت بالأساس إلى ما ورد في خطاب عباس أمام وزراء خارجية الدول الإسلامية.
وقد انبرت بعض النخب الإسرائيلية لتفسير السبب وراء رفض نتنياهو توجيه الشكر لعباس بسبب خطابه "الجريء" أمام وزراء خارجية الدول الإسلامية وبسبب تعاون الأمني مع "إسرائيل". فقد قال معلق الشؤون العربية في قناة التلفزة الثانية يهود يعاري أن نتنياهو "لم يرد أن تتضرر صورة عباس أمام الشعب الفلسطيني في حال شكره، حيث أن مثل هذه الخطوة قد تظهر عباس كعميل ل"إسرائيل"".
لا مكافأة لعباس
لكن على الرغم من الإشادة بمواقف عباس والاحتفاء بتعميق التعاون الأمني، إلا أن "إسرائيل" ترفض مكافأته حتى عبر الموافقة على استئناف المفاوضات. فقد رفض الوزير لبيد، الذي يعتبره المعلقون في تل أبيب بأنه "الجناح اليساري" لحكومة نتنياهو الالتزام بأية خطوة "إيجابية" تجاه عباس في أعقاب انتهاء قضية خطف المستوطنين. في الوقت ذاته، فإن "إسرائيل" قررت بناء أكثر من 300 وحدة سكنية في محيط القدس والضفة الغربية. وحسب المحافل الصهيونية، فإن نتنياهو يعكف بالتعاون مع وزير الإسكان أوري أرئيل يعكفان حالياً على إعداد مخطط لبناء آلاف الوحدات السكنية في أرجاء الضفة الغربية.