السحر ثلاثة أنواع؛ ما يفعله البهلوان في السيرك، أو من يخدر العقل بالخرافة، لكن أعظمها على الإطلاق ما يقوم به كهنة السياسة باغتيال عقل الأمة. السحر لا يزيد عن خيال، وليس له قاعدة من الحقيقة، والسيارة لا تمشي دون وقود حقيقي؛ ولكن العقل يمكن اغتياله بالخرافة. ويمكن للجماهير أن تعيش على الأحلام. كما أن الإنسان يمكن أن يمشي بطاقة وهمية. وإذا كان حاوي السيرك يضحك على الجمهور فيخرج من القبعة الأرانب. فإن السياسيين يمكن أن يخدعوا جمهورا كاملاً فيخرجوا من صناديق الانتخابات بطاقات مزورة كما حصل مع انتخابات بشار الكيماوي بين تسبيحات جيش القبيسيات ودعاء المفتي حسونة، وإذا هزم قائد عسكري في معركة مصيرية علا منصبه على قدر الهزيمة كما حصل مع حافظ الأسد فكان وزير الدفاع ليقفز إلى رئيس الجمهورية بعد كارثة هزيمة 1967م. وإذا مات مشت جماهير حاشدة في جنازته تهتف وتنتحب وتلطم الوجوه كما حصل مع الناصري في القاهرة. ويفكر المرء أحياناً هل هو مجنون أم هم مجانين؟ أم أن الكل في عالم مطبق من الجنون هائمون؟هل نحن في وطن أم مصحة عقلية؟ إننا نعيش فعلاً في عالم مسحور. إن هذا لشيء عجاب. ولكنه واقع أثقل من نجم نتروني.
في مطلع القرن العشرين لمع نجم ساحر في أمريكا اسمه «هوديني» كان يسلسل في الأصفاد بقفل ثقيل، ثم يحشر في صندوق خشبي عاري البدن إلا من سترة سباحة، ثم يحكم إغلاق الصندوق بالمسامير على أعين الناس، ثم يطوق الصندوق بدوره بحزام جديد من السلاسل، محكمة الرتاج بأكثر من قفل، ثم يلقى في الماء أمام ذهول الناس الذين يحبسون أنفاسهم، ويطول الأمر أحياناً إلى فترة أربع دقائق؛ وإذا بهوديني يخرج من الماء يحمل السلاسل المحررة بيديه فيلقيها أمام جمهور يصفق ولا تصدق عيناه. وبدأ الناس يتناقلون إشاعة مفادها أن الرجل يخرج من الصندوق من خلال تحويل جسده إلى روح شفافة، تتسلل من المحبس، وتتحرر من كل السلاسل والأقفال والمسامير. وقالت طائفة منهم إن هذا هو السحر بعينه؛ وإلا فماذا يعني السحر إن لم يكن هذا؟ وقال العقلاء من القوم إن هذا الشيطان يتملص بطرق عادية مجهولة الكيفية، تدرب عليها طويلاً، ولا نعرف ماذا يفعل الخبيث على وجه الدقة، حتى يتحرر من كل هذه الأصفاد. في النهاية مات الرجل وعمره 52 سنة بالتهاب زايدة دودية حاد، فلم يغن عنه سحره وما كسب.