تتواصل يوميًّا الاعتداءات على القدس والمسجد الأقصى المبارك، وتستمر بشراسة مخططات العنصرية التهويدية والاستيطانية التي تحيط مدينة القدس من كل جانب، وباحات المسجد الأقصى يقتحمها يوميًّا قطعان المستوطنين، فضلًا عن الرحلات السياحية إلى المسجد الأقصى التي ترمي إلى تزوير وتشويه تاريخ المسجد الأقصى وإسلاميته وعروبته الأصيلة.
يشن الصهاينة في هذه الأيام هجومًا إعلاميًّا وثقافيًّا كبيرًا يستهدف تهويد أسوار القدس العتيقة، وترويج الرواية التهويدية التوراتية الواهية بأسلوب مبتذل وغريب، يرمي إلى حشد قطعان المستوطنين واليهود حول أسوار مدينة القدس، وصناعة الروايات التوارتية الخيالية عن القدس؛ بهدف تنفيذ المخططات الصهيونية الخبيثة لتهويد القدس والمسجد الأقصى، وإغراق السياح الصهاينة بالأساليب الخيالية الخداعة عن المسجد الأقصى والهيكل المزعوم.
يعمل الصهاينة اليهود سنويًّا على تنظيم ما يسمى "مهرجان الأنوار" حول أسوار القدس العتيقة، وهو ينظم للسنة السادسة على التوالي، ويشرف عليه عدد كبير من المؤسسات الصهيونية، ويكلف هذه المهرجان نفقات مالية باهظة من أجل إنجاحه وتنظيمه بصورة دورية.
وتعمل سلطات الاحتلال في هذا المهرجان التهويدي على قلب الحقائق وتزوير تاريخ المدينة المقدسة، لتظهر بالطابع اليهودي، رامية إلى إلغاء التاريخ والحضارة، وتحاول إظهار مدينة القدس المحتلة على غير وجهها الحقيقي لتبدو مدينة يهودية الطبع والطابع، ويرمي الصهاينة من وراء هذا المهرجان إلى إلغاء الحضارة والتاريخ الإسلامي العربي العريق للمدينة، بعدة طرق ووسائل، منها تهويد أسماء الشوارع وتغييرها إلى أسماء يهودية توراتية، وتوجه سلطات الاحتلال دعوات إلى كبار الفنانين والكتاب والمثقفين من أنحاء العالم كافة لحضور هذا المهرجان التهويدي الصهيوني، ويسعى الصهاينة دومًا إلى تكرار أن "القدس عاصمة لدولة اليهود في فلسطين" عبر الإعلام.
إن تنظيم هذا المهرجان الخطير يمثل خطوة استفزازية لمشاعر المسلمين والمقدسيين ترمي إلى المساس بإسلامية المسجد وتاريخه العريق، وهي وسيلة من وسائل الصهاينة تأتي ضمن البرنامج التهويدي للمسجد الأقصى، فقد نجح الصهاينة _حسب ما ذكرت الدراسات البحثية_ في تهويد كثير من قطاعات القدس ومرافقها، ديموغرافيًّا، وعملوا على توطين أكثر من (300 ألف) مستوطن في القدس على حساب المقدسيين.
إن الهدف الرئيس من "مهرجان الأنوار" الصهيوني يتمثل في إضفاء الطابع اليهودي على مدينة القدس، واستخدام وسائل التزوير والتزييف والإيهام الصهيونية، إذ يتخلل المهرجان الاعتداءات المتواصلة على السكان المقدسيين والتضييق عليهم بهذه الاحتفالات الماجنة الراقصة التي ينظمها الصهاينة في القدس وتستمر إلى أوقات متأخرة من الليل، وخلاله توجه عبارات بذيئة إلى العرب والمسلمين، وتنحت رسوم يهودية تلمودية على أسوار الأقصى، ويرمي المهرجان إلى حشد الآلاف من السياح من شتى أنحاء العالم إلى مدينة القدس، وتوزع السلطات الصهيونية نشرات باللغات الإنجليزية والعبرية والعربية، ومسارات المهرجان الثلاثة (الأبيض، والأزرق، والأخضر) تقود السياح الأجانب إلى حارات القدس القديمة: (حارة الأرمن، والشرف، والنصارى)، وتنظم جولات سياحية على حارات وأزقة القدس ضمن برنامج تهويدي يومي تشرف عليه "سلطة الآثار الصهيونية".
إن الاحتلال الصهيوني يبذل جهدًا كبيرًا في هذا المهرجان التهويدي؛ بهدف إقناع السياح الأجانب بأن القدس "يهودية"، وطابعها "صهيوني"، ويصاحب هذه المهرجان مسلسل تغيير أسماء شوارع القدس وطرقاتها وأزقتها إلى أسماء يهودية توارتية، ونشرها في أماكن مختلفة من مدينة القدس العتيقة.
إن من أهداف هذا المهرجان التهويدي الصاخب جلب السياح الأجانب، وإيهام هؤلاء السياح بأن مدينة القدس هي مدينة "يهودية تاريخية"، وهو جزء من سياسة التهويد والتزييف التي يتبعها الاحتلال، إذ يبث رسومًا ثلاثية الأبعاد على أسوار القدس تشير إلى تاريخ مزيف يدعي يهودية مدينة القدس من قبل الميلاد حتى يومنا هذا.
إن مدينة القدس مدينة إسلامية تاريخية شامخة ستبقى كنزًا تراثيًّا حضاريًّا رغم كافة محاولات الطمس اليهودية لها، وسيبقى أهلها المقدسيون ثابتين صامدين محافظين على مدينتهم ومقدساتهم، وهي اليوم تقف بقوة في وجه مشاريع الجمعيات الاستيطانية الصهيونية، وسلطة الآثار (الإسرائيلية) التي تنفذ مشاريع البحث عن آثار يهودية في الأتربة أسفل المسجد الأقصى، وتخطط الجمعيات لنقل واستخراج الأتربة من أسفل المسجد الأقصى ووضعها في أماكن مخصصة عند الصهاينة؛ بحجة البحث عن آثار يهودية في هذا التراب المبارك.
إن القدس المحتلة تحيا في هذه الأيام مخاطر كبيرة، وهي تعيش أليمة جريحة بين مخططات التهويد للمدينة المقدسة، ومخططات التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك، والقدس اليوم في حالة استباحة دائمة من قبل قطعان المستوطنين والصهاينة اليهود، ويجب أن تكون على رأس الأجندة الفلسطينية دومًا وحاضرة دومًا في اجتماعات القيادة الفلسطينية، خاصة أن مدينة القدس تعاني من مسلسلات التهويد والتدمير، وحمى الله مرابطي القدس وشبابها وشيوخها؛ فهم بأمس الحاجة للدعم والمساندة والتواصل الدائم معهم وشد أزرهم من أبناء الأمة الإسلامية كافة.