التاريخ الإنساني المكتوب بدأ مع اختراع الكتابة قبل حوالي 5000 سنة، فهو إذاً قريب العهد، صغير السن، تافه المحتوى، مضطرب النصوص، تحفل كتاباته المنقولة بكثير من أهواء الإنسان وكوارثه، والنصوص التي نقلت لنا أشبه بسجلات الشرطة عن ملهاة الملوك الكبرى: الحروب؛ فكما كانوا يتسلون بالصيد وقتل الحيوان؛ فإن الحروب كانت منظراً مثيراً لهم، وهم يتأملون عمليات الذبح الجماعية بين أيديهم من العبيد، التي تتقاتل وتسفك دماءها تحت الأوامر الموجهة لقتل بعضهم بعضاً. كانت ومازالت حتى يتم استبدال قانون (نفذ ثم اعترض) بقانون (لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق) وبتحويل الإنسان من (آلة) إلى (إرادة).
يقال إن افتتاح الكولوسيوم في روما كلف في 100 يوم من الاحتفالات قتل أكثر من 5000 مجالد، وآلاف الحيوانات المفترسة، مما هدد إفريقيا بتفريغها من هذه الضواري.
كما يروي لنا التاريخ أن (دارا) الملك الفارسي، خلَّد لنا على الصخر انتصاراته وفتوحاته ومجازره بكثير من الفخر والاعتزاز، ولكننا بالكاد نشم رائحة الإنسان الفعلية؛ من عطر النبوة، أو إشعاع القديسين والفلاسفة والمفكرين. لكنها مع ذلك هي النصوص التي أعطتنا فكرة عن بدايات التاريخ، وكيف عاش الإنسان، والوضع الاقتصادي، وتركيبة المجتمع السكانية والطبقية، والدين وتأثيره، وعقيدة اليوم الآخر، التي تجلت بأعظم زخمها في الحضارة الفرعونية، التي كانت خلف البناء العملاق للأهرامات، والنظام الأخلاقي والسياسي، وعلى أي نحو كان يفكر الناس، وهذه الفكرة تفتح النافذة لفكرة التقدم في التاريخ، فبدايات التشريعات مثل حمورابي ألقت الضوء على الوضع التشريعي قبل آلاف السنين، وبمقارنته مع وضع الإنسان الحالي يمكن الإمساك بفكرة التقدم في التاريخ، والتقدم المعني به هنا التقدم الإنساني وليس التكنولوجي، فالتقدم التكنولوجي حاصل أكيد، ولكن المشكلة التي تثار هي في التقدم الإنساني، حتى أن هناك من يعتقد بأن نظام العبودية ساري المفعول مع تغير الاسم لا أكثر، وهذا يحتاج إلى بحث تفصيلي منفرد؛ هل التقدم حقيقي في التاريخ؟
تاريخ النصوص هو إذن الذي تم بعد وصول الإنسان إلى اختراع الكتابة، ولكن تاريخ الإنسان لم يبدأ منذ قبل 5000 سنة مع موعد اختراع الكتابة، بل يعود الرجعى إلى ملايين السنين، وفي هذا الحقل بالذات يعمل علم آخر هو (الأنثروبولوجيا) علم الإنسان. جاء في محكم التنزيل (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً).