كثُرت خلال الأيام التي أعقبت أداء حكومة التوافق الفلسطينية بقيادة رامي الحمد الله قسم اليمين حملات الملاحقة والضرب وكل أشكال الإهانة لذوي الأسرى المُضربين عن الطعام بسبب نزولهم للشارع في سبيل تعريف المواطن الفلسطيني بما يجري لأبنائهم من معاناة، وحينما لم تُفلح أجهزة أمن الضفة المحتلة في وقف تلك الفعاليات انتقلت للمرحلة الثانية المتمثلة في توجيه بنادقها وخططها نحو مواجهة النشطاء والمتضامنين مع الأسرى، وهي مرحلة فشلت كذلك، فلم يبقَ إلا السبيل الأخير متمثلا في ملاحقة الصحفيين والإعلاميين والمؤسسات الإعلامية التي تنقل معاناة الأسرى، فأصبح كل صحفي ينقل صورة تضامن شعبي فلسطيني أو فصائلي مع الأسرى في بؤرة الاستهداف، ولا خطوط حمراء في التعامل معهم بدءا من الاستدعاء والتهديد، وليس انتهاء بالضرب وتكسير المُعدات وغيرها من التهم الجاهزة.مي وملح
في سياق التفكير خارج المألوف: أعتقد أن زيادة وتيرة الاستهداف الذي تقوم به السلطة الفلسطينية ضد ذوي الأسرى والنشطاء المتضامنين معهم والصحفيين الناقلين لمعاناتهم خطوةً في الاتجاه الصحيح، وهي تُعبر عن قمة أشكال التضامن مع الأسرى الفلسطينيين دُرة تاج الأمة الإسلامية قاطبة.
أتمنى أن يتسع صدر القارئ الكريم وذوي الأسرى لما أقول قبل أن ينعتوني بالجنون أو التغريد خارج السرب كما يقولون على أقل تقدير. إخواني أهالي وذوي الأسرى أنا أتحدث بكامل قواي العقلية، بل وأزيد. فإني أبارك ما تقوم به أجهزة أمن السلطة من ضرب لكل متضامن مع الأسرى الأبطال أو ناقل لمعاناتهم، وذلك لأننا في الساحة الفلسطينية نجد بأن كُل من يتهم السلطة الفلسطينية بالتقصير في التعريف “على الأقل” بقضية الأسرى ومعاناتهم في مختلف المحافل الدولية يُتهم بالحزبية المقيتة وأنه مُندس ويُساهم في شرخ الصف الوطني ولا يجوز له القيام بذلك بينما نُشاهد العديد من مسئولي السلطة يُدافعون عن الأسرى أمام كاميرات التلفزة.!! وأعتقد أن قيام السلطة الفلسطينية بإهانة ذوي الأسرى له فوائد متعددة تتمثل في التالي:
- إن إهانة ذوي الأسرى وضربهم والاعتداء عليهم ومن يتضامن معهم يشكل درسا عمليا ودليلا دامغا على أن السلطة الفلسطينية تعمل ضد قضية الأسرى وليس كما تتحدث به أمام شاشات التلفزة في محاولات يائسة لدغدغة العواطف وبخاصة المدافعين عن نهجها لأجل الراتب.
- إن تلك الإهانة تؤكد بأن السفارات الفلسطينية هي فعلا “سفارة في العمارة”، وإلا فلم لم نسمع حتى الآن عن لقاء “على الأقل” في سبيل تعريف العالم أن هناك مئات الأسرى مُضربين عن الطعام منذ ما يزيد عن الخمسين يوماً وغذاؤهم حتى لا تتعفن أمعاؤهم يتمثل في الماء والملح فقط.
- أما على الجانب الدبلوماسي فلم نَسمع كذلك بخطوات لخارجية رام الله في سبيل مُطالبة مجلس الأمن أو جامعة الدول العربية للانعقاد العاجل في سبيل مناقشة خطوات تفعيل قضية الأسرى، بل لم نسمع حتى برسائل بسيطة لدول أو عواصم عربية تتحدث عن الأسرى.
- إن إهانة الصحفيين المتابعين لقضايا الأسرى وذوي الأسرى والنُشطاء ستأتي بأثر معكوس بالنسبة للسلطة الفلسطينية والتي يتضح من خلال إجراءاتها الميدانية حرجها الشديد من استمرار إضراب الأسرى. وأعتقد أن الضرب والإهانة سيزيد الشارع الفلسطيني تضامنا مع الأسرى من خلال البحث في أسباب الاعتداء على المتضامنين معهم، ولذلك فالمفترض على أمن الضفة زيادة ضرب وملاحقة المتضامنين مع الأسرى.
- إن ضرب ذوي الأسرى يُعيد إلى الأذهان الدور المُخجل الذي لعبته أجهزة أمن السلطة في ملف الأسرى، فهي التي لم تترك وسيلة دنيئة لها في محاولة كشف آسري الجندي الصهيوني “جلعاد شاليط” في العام 2006م بقطاع غزة إلا وفعلتها، لكن الله خيب فألهم ودمعت عيون الفلسطينيين فرحاً بتحرير مئات الأسرى الأبطال في صفقة أشرفت عليها حركة حماس. ولا يغيب عن البال كذلك كشف الأجهزة الأمنية في الضفة للعديد من عمليات المقاومة الفلسطينية في الضفة المحتلة التي كانت تستهدف أسر صهاينة ومبادلتهم بأسرانا الأبطال، وتسليم عشرات الجنود الصهاينة والمستوطنين خلال تجوالهم في شوارع الضفة الغربية المحتلة، والذين كان لإمكانية مساومتهم على أسرى فلسطينيين إنهاء معاناة الآلاف من أولئك الأسرى، لكن ما يجري على الأرض يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن السلطة الفلسطينية غير معنية بإنهاء هذا الملف.
بالنظر إلى حملات التكريم التي قامت بها دولة الكيان المحتل لأرضنا لعائلة الجندي الصهيوني “جلعاد شاليط” وما تخللها من التكفل بتنقل عائلته للتعريف بقضيته لمختلف العواصم الدولية، ومقارنته مع ما تقوم به السلطة الفلسطينية من تكريم لعوائل الأسرى الفلسطينيين على طريقتها الخاصة وبأسلوب “الضرب، الإهانة، الإستدعاء، التهديد… وغيرها من الأساليب القذرة”، يتضح عمليا وبما لا يدع مجالاً للشك بأن من يحمل هم الأسرى فعليا هم: المقاومة الفلسطينية التي حررتهم من سجون الاحتلال، وكل مدافع عنهم بالمال والجهد، وهو تضامن لا بد منه من الجميع، فذاك الأسير ضحى بحريته لأجل أن نحيا جميعا بحرية وكرامة. أما السلطة الفلسطينية فالمطلوب التعامل معها على أنها عدو للأسرى وذويهم وليست حاضنة مؤتمنة على قضيتهم.
وعلى صعيد استهداف وسائل الإعلام والصحفيين المُتابعين لقضايا الأسرى وإضرابهم وتحطيم مُعداتهم، فهذا أمر مميز تقوم به السلطة الفلسطينية؛ حتى لا نستمر بالعيش في وهم وسراب حاولت صناعته منذ سنوات طويلة، فهي تقول بأن فلسطين بلد الحريات وصيانتها، بينما ما تقوم به يؤكد حقيقتها وبأنها لا تزال تعيش في العصور الوسطى من التاريخ، حينما كان المُستبدون يخشون كشف حقيقتهم.
وللأمانة أقول للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية: الصحفي الفلسطيني حمل الأمانة تجاه مجتمعه بحق ولن يُرهبه أي شيء في سبيل القيام بأداء رسالته الإعلامية على الوجه الأمثل، والعودة بصفحات التاريخ إلى الوراء تؤكد هذه الحقيقة، فالصحفي الفلسطيني تعرض للاعتقال والتهديد، بل والقتل، لكن ذلك لم يوقف مسيرة إبداعه وتفوقه على آلة العدو المحتل المتطورة أصلا بمرات عديدة على أدواتكم، وحتما فمهما فعلتم فلن تهزمونا، وأدعوكم لزيادة الضرب؛ لأنه الأسلوب الأفضل للصحفي الفلسطيني في سبيل إصراره وتشبثه برسالته والدفاع عنها، بل والاستماتة في نقل معاناة الأسرى الأبطال.