أتذكر جيدا مندوب الأدوية الديري (من دير الزور) في القامشلي حين أصابه الحماس فتدين واشتد، كان الرجل لا يصلي فلم يعد يفارق المسجد. كان حليقا فأطلق لحيته. كان كاشف الرأس فأصبحت «الغترة» لا تفارق رأسه. مسبحة في يده، ودمدمة لا تفارق شفتيه، غارق في التأملات، مطرق الرأس، متجهم القسمات، ليس ثمة ابتسامة وضحكة. ولا يغادره بخور وعطر حين تسلم عليه.
كنا شبابا صغارا في القامشلي أعجبنا هذا التوجه، وراعنا هذا الانقلاب. كان أخوه محاميا شيوعيا فزادنا الأمر عجبا، ولكن الشقيق كان يتأمله مستغربا أكثر منا؟
أذكر جيدا عبارات جودت سعيد التي كان يقول فيها إن الحماس يأتي في لحظات فيغير الإنسان كامل اتجاهاته وقناعاته، كما حصل مع سحرة موسى؛ فقالوا إنا إلى ربنا لمنقلبون. ولكن أعظم ما يمكن أن يحصل هو نمو الشجرة الضارب الممتد المتتابع بهدوء. هكذا يوصف الأوربيون في الشمال، من ألمانيا حتى الدنمارك والسويد. يعملون بهدوء وبطء ولكن بيقين. نموذج ذلك سيارات المرسيدس والساعات السويسرية وموبايلات نوكيا.
مضى صديقنا في القامشلي على وتيرته، ودعانا لبيته أكثر من مرة. كان صديقي (توفيق بركات) معجبا بتوجهه وحماسه. بالمناسبة توفيق بركات انتهى ضربا وإعداما في سجن تدمر، كما رأيته في منامي وهو ينزف من معدته، وهذا الذي حصل كما روى لي ذلك أبو أنس اللبابيدي، الذي قضى من عمره عشر سنوات في سجن تدمر الرهيب، الذي قضى فيه نحبهم مائة ألف أو يزيدون، ضربا وخنقا وشنقا وحرقا وجوعا وبردا ومرضا، على عصر السنوريات من العائلة الأسدية.
نفس هذا الحماس لاحظته في شاب حمصي من بيت (الأتاسي) اجتمعت به في كلية الطب، فكان لا يفوقه في الأناقة والوسامة إلا تقواه، كان يذكرني بمصعب بن عمير الصحابي.
ولكن ما الذي حدث للشاب الحمصي والآخر الديري؟ لقد حصل الانقلاب المعاكس في فترة قصيرة؟ كنت أتعجب. ولكنني أتذكر مثل الزارع في الإنجيل فقد قسم الناس أربعة أقسام على شكل مثال فقال: هو ذا الزارع قد خرج ليزرع فلما كان في الطريق سقط قسم إلى الأرض؛ فلما طلعت الشمس احترق، وقسم وقع فجاءه الطير فخطفه، وقسم وقع بين الشوك فاختنق، وقسم رابع وقع في أرض طيبة فأخرج ستين وثمانين ومائة. لم يفهم الحواريون مغزى المثل؟ فقال لهم كم مرة أشرح لكم ولا تفهمون. من خطفه الطير هو الشيطان، ومن احترق على قارعة الطريق هو من امتحن وابتلي فلم يصبر، ومن وقع في الشوك هي أوهام العالم والغنى التي تخنق الكلمة، أما الأخير فهو الذي يقع في القلوب الصالحة فينبت فتكون شجرة طلعها هضيم.