أكذوبة الحياد الأعلامي؟

نشر 09 يونيو 2014 | 08:18

يقوم الغرب بصناعة المصطلحات وترويجها ويرددها الناس في كثير من الأحيان دون فهم لها أو معرفة لأبعادها ومنها مصطلح "الحياد"، والحياد هو عدم اتخاذ موقف أو المساواة بين الجاني والضحية أو القاتل والمقتول أو الظالم والمظلوم، وهو يتناقض مع طبيعة الحياة لأن الحياة موقف والإنسان موقف، ويردد كثير من العامة وحتى المتخصصين أن الإعلامي يجب أن يكون محايدا، وهذه أكذوبة تتناقض مع طبيعة العمل الإعلامي الذي يتلخص في تقديم "الحقيقة" إلى الناس والحقيقة تفرض عليك أن تكون منحازا لطرف، وأذكر أنه بعد تغطيتي لأحداث معركة الفلوجة في العام 2004 حيث كنت مع فريق الجزيرة، الفريق التليفزيوني الوحية، الذي تمكن من دخول تلك المدينة المحاصرة أن وقعت نقاشات طويلة داخل قناة الجزيرة وخارجها من قبل الزملاء أني لم أكن محايدا في نقل الأحداث، حتى أننا كنا في ندوة داخلية داخل الجزيرة وحضرها كثير من المراسلين ومديري المكاتب الخارجية وحضرت جانبا منها فوجدت بعض الزملاء يناقشون تغطيتي لمعركة الفلوجة وفوجئت بهم يوجهون لي التهم التي وجهها لي الناطق باسم الخارجية الأمريكية والناطق باسم الجيش الأمريكي الجنرال مارك كيميت بأني لم أكن محايدا، ومع ترحيبي الواسع بكل النقد الذي يوجه لي، فقد وقفت للرد علي الزملاء وفاجأتهم بما لم يكونوا يتوقعونه فقلت لهم "أنا لست محايدا.. أنا لست محايدا.. أنا لست محايدا ولن أكون محايدا، ولكني منحاز.." ساد صمت رهيب في القاعة ثم أكملت " أنا منحاز دائما للحقيقة، وإلى صاحب الحق وإلى الضعيف، وإلى المعتدى عليه، وإلى القيم الإنسانية التي تقوم علي العدل والمساواة، أنا منحاز دائما ضد الحروب وعمليات القتل للمدنيين والنساء والأطفال وجرائم الحرب التي يرتكبها المعتدون ضد الإنسان في أي مكان من العالم.

أنا منحاز دائما إلى ديني وإلى عروبتي وثقافتي وهويتي، لن أتخلي عنها في أي موقف مهما كانت الاتهامات التي توجه لي، وحينما يتخلى الصحفي الأمريكي أو البريطاني أو الألماني أو الياباني أو الروسي عن الانحياز إلى دينه وثقافته وهويته وقوميته وأمته فليأتوا وليتحدثوا معنا عن الحياد.

 

وتساءلت قائلا " هل كان الألف ومئتي صحفي الذين دخلوا العراق على ظهور الدبابات الأمريكية أثناء الغزو الأمريكي للعراق في مارس وابريل 2003 محايدين؟ وهل كان المراسلون الأمريكيون الذين يبثون تقاريرهم وهم يتحركون على ظهور الدبابات مع القوات الأمريكية وهي تمارس جرائم الحرب ضد المدنيين محايدون؟

إنهم ليسوا محايدين في أدائهم ولكنهم جميعا منحازون ويعملون من أجل أمتهم وثقافتهم وهويتهم ودينهم ومؤسساتهم وهم يفخرون بذلك، فلماذا لا نكون أكثر فخرا منهم بما نقوم به ونعلن أننا لن نكون محايدين؟

 

إن المنهزمين من الاعلاميين العرب سواء الذين تماهوا مع الأنظمة، أو فقدوا انتماءهم وهويتهم أو حتى معرفتهم بطبيعة الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإعلامي يتحدثون أحيانا عن مصطلحات لا يعرفون معناها، وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة ظهور عشرات من مقدمي البرامج في الفضائيات المصرية على وجه الخصوص لم يأخذ الواحد منهم دورة واحدة في التقديم التليفزيوني ليعرف الفارق بين تقديم البرامج وبين " الهرتلة" أو التهريج والصراخ والحنجورية، وكأن مقومات الإعلامي أن يكون عالي الصوت لا يحترم مهنته ولا يحترم الناس ولا يعرف كيف يخاطبهم وكيف يقوم بدوره في تقديم الحقيقة لهم... نكمل غدا.