المصالحة الوطنية والتقدير الخاطئ لموقف حماس

نشر 07 يونيو 2014 | 09:57

ما من شكٍ أن الخطوة التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مؤخرا من تسليم الحكومة الفلسطينية بالكامل إلى حركة "فتح" في إطار ما اصطلح الكثيرون على تسميته مصالحة وطنية وإنهاء للانقسام سيبقى أمامه علامات استفهام كبيرة ربما لن يجد البعض إجابات واضحة لها لسنوات طويلة في سبيل معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت الحركة الإسلامية على تسليم الحُكم بهذه الصورة، في أسلوب أجمع الكل الفلسطيني أو غيره بأنه تنازل حمساوي بلا ثمن أو مقابل بعد سنوات من الحكم والبناء في قطاع غزة تعرضت خلالها الحركة الأكبر فلسطينيا لعواصف عاتية لم تفلح في زحزحتها عن مبادئها والثوابت التي آمنت بها منذ تأسيسها.

 

بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الحركة للتسليم بهذا الشكل، لكن في المحصلة لا يمكن الحكم على خطوتها بالأمور الظاهرة إلا في إطار أنها جاءت خدمة للمواطن الفلسطيني سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، وهذا يظهر من خلال التالي:

1-  في قطاع غزة بات الوضع الاقتصادي للمواطن الفلسطيني المحاصر منذ سنوات لا يُطاق، ومما زاد من وتيرته زيادة الضغط الاقتصادي من قبل السلطات المصرية الحاكمة بعد إزاحة الرئيس محمد مُرسي، وما أعقب ذلك من تدمير لمئات الأنفاق التي كانت تزود قطاع غزة بالمواد التموينية ومواد البناء، الأمر الذي انعكس سلباً على تعطل عشرات المهن في القطاع كان يعمل تحت لوائها آلاف العمال، إلى جانب التذبذب في دفع الرواتب للموظفين، وتخلي العديد من المؤسسات الدولية عن تقديم الأدوية للمستشفيات الفلسطينية "كواجب عليها وليس منة منها تجاه شعب واقع تحت الاحتلال" وهذا ما قامت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود تجاه المستشفيات الفلسطينية في قطاع غزة. ولا يستوي اشتداد وتيرة الحصار الاقتصادي دون الحديث عن حملة التقليصات الكبيرة التي قامت بها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بحق آلاف عائلات اللاجئين في القطاع. إذا فهي مؤامرة حقيرة قامت بها العديد من الأطراف لدفع المواطن الغزي نحو رفع الراية البيضاء.

 

2-  أما في الضفة الغربية المحتلة، فبدأ الأمر يتجه إلى مسارات شديدة الخطوة تتجه بالقضية الفلسطينية إلى منزلقات خطيرة، فالخيار الذي تمترست خلفه السلطة الفلسطينية تمثل في مفاوضات بلا سلاح يحميها، وسار بالتوازي معها استيطان يبتلع الأرض الفلسطينية دون أن يوقفه أحد، أما القدس فأصبحت لا تفصل تقسيمها زمنيا إلا أياماً فقط، بينما الأسرى في سجون الاحتلال لا أحد يستمع لاستغاثتهم من السلطة الفلسطينية التي واصلت التنسيق والتعاون الأمني مع العدو المغتصب لأرضنا والمختطف لأبطالنا وفعلت ذلك بلا خجل، بل وتفاخرت به على لسان رئيسها محمود عباس أكثر من مرة.

وأمام هذه الوقائع المأساوية وجدت "حماس" نفسها يؤنبها ضميرها- هكذا أعتقد- فرفضت أن تكون سببا في استمرار معاناة المواطن الفلسطيني في قطاع غزة أكثر من ذلك. صحيح أنها وجدت فيه شعبا يستحق الاحترام والتقدير من خلال صموده واحتضانه لها في كل المواقف الصعبة التي عاشتها، لكنها عملت بالمثل القائل "إن كان حبيبك عسل فلا تلحسه كله"، ولذلك قررت تسليم قطاع غزة لحركة فتح بلا مقابل سياسي أو غيره. أما على صعيد ما يجري في الضفة فلم تبقى وسيلة لمواجهة عنجهية الاحتلال إلا بتوحيد النظام السياسي الفلسطيني وإن كان ذلك لن يكون إلا على حساب تراجع "حماس" في الوقت الراهن عن كُرسي الحكم "الذي هو من حقها". غير أن ذلك الكرسي وجدته لا يعني شيئا بموازاة قضايا مصيرية فلسطينية من قبيل الحفاظ على القدس، وتخفيف معاناة الأسرى الأبطال، ووقف الاستيطان، وتنمية المقاومة ضد الاحتلال بأشكالها المختلفة، وصولا لنبذ التنسيق الأمني مع العدو الأول لقضيتنا ووطننا "إسرائيل".

وإن كانت رؤية "حماس" من وراء تسليمها للحكم تنظر إلى الوطن كتلة واحدة في مواجهة مخططات الاحتلال الصهيوني، إلا أن البعض للأسف نظر إليها نظرة المهزوم وهكذا تعامل ولا يزال معها، وأقصد بالبعض قيادة حركة "فتح" ممثلة برئيسها محمود عباس، فقد عمل جاهداً على إذلال الحركة في أكثر من موضع منذ إعلان التوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية، وتمثل ذلك من خلال العمل على فرض أسماء في حكومته يُدرك رفض الحركة لها من قبيل محمود الهباش ورياض المالكي، والعمل على نزع وزارة الأسرى ودفع "حماس" للموافقة على ذلك في ظل إضراب يخوضه الأسرى في سجون الاحتلال وينتظرون موقفاً رسميا داعما لهم. غير أنه لم يحترم استغاثات الأسرى وأراد من وراء ذلك إذلال "حماس" التي أسرت "شاليط" الجندي الصهيوني وبادلته بمئات الأسرى الأبطال فنظر إليها الأسرى وذويهم كأمل أخير نحو كسر قيدهم.

باختصار أراد "عباس" من وراء هذه الخطوة تتويج تاريخ "حماس" الزاهر تجاه الأسرى بتاريخ أسود قاتم لا تمحوه الأيام. ولم يتوقف عند هذا الأمر، بل وفي أكثر من مرة أصر على إطلاق تصريحاته المُستفزة من قبيل قوله: "الحكومة حكومتي وهي ملتزمة بالبرنامج الذي ألتزم به من قبيل الاعتراف بـ" إسرائيل" وشروط الرباعية وتقديس التنسيق الأمني"، وهذه التصريحات كانت باستمرار تخرج عقب لقاءاته أو اتصالاته مع أطراف خارجية وصهيونية وعربية مختلفة.

 

أيها السادة الشامتون بذهاب "حماس" للمصالحة: لا تتعجلوا في الحديث عن ضعف الحركة وسقوطها ولا تتعاملوا معها وكأنها تعيش لحظة احتضار أو تتمدد على سرير العناية المكثفة- وأنا لست قائدا أو ناطقا باسم الحركة أتحدث- لكن من باب المتابعة والتحليل فقط، فالحركة الأكبر فلسطينيا تنازلت لصالح المواطن الفلسطيني وليس من باب ضعفها كحركة، وبالتالي فهكذا يجب التعامل معها. صحيح أن الحركة تعرضت لضربات اقتصادية كبيرة، لكن الاقتصاد ليس كل أمر في حياة الشعوب هذا من جانب، ومن جانب آخر فمن غير المعهود على "حماس" التسليم لأكبر جيش في الشرق الأوسط، ولو كان تسليم الحكم لحركة "فتح" لديها يقع في ميزان التنازل فتأكدوا بأنها لم تكن لتتنازل مهما كلفها ذلك من ثمن.

 

باختصار، فالتلاعب في بنود تطبيق اتفاق المصالحة أمر كانت تتوقعه الحركة من قبل حركة "فتح" قبل التوقيع على الاتفاق، هكذا أتوقع، لكني أدرك بأن الحركة الإسلامية- هكذا أعتقد- لن تقبل التلاعب وما موضوع رواتب الموظفين إلا اختبار بسيط فقط، وفي حال التنصل من الاتفاق فالواضح بأن "حماس" لديها أوراق أخرى قادرة على إلقائها على طاولة المصالحة وخلط الأمور مرة أخرى، لكن الفرق بين الوقت الحالي والماضي لخلط الأوراق، أن "حماس" ستخرج رابحة هذه المرة جماهيريا أكبر كثيراً مما ستجنيه حركة "فتح" من خسارة فادحة أعتقد أنها لا ترغب بها في الوقت الراهن.

 

من واقع المتابع فقط، أعتقد أن على حركة "فتح" أن تعتبر من التاريخ قبل فوات الأوان، وعليها التعامل مع المصالحة كقضية تعود بالنفع على المواطن الفلسطيني، ولا تعتبرها أسلوبا للنكاية والابتزاز للخصم السياسي في مرحلة تاريخية حرجة تعيشها القضية الفلسطينية، فالخصم السياسي تنازل للشعب والقضية ولم يتنازل ضعفا أمام حركة "فتح".