قادم موكبنا قادم نحوك فلسطين

نشر 02 يونيو 2014 | 04:04

للمسير في طلب المعالي وتحقيق النصر تاريخ في حياة الأمة الاسلامية، فقد سار الصحابة مسافات طويلة لتثبيت أركان هذا الدين ونصر الاسلام، وكان من أطولها مسافة غزوة ذات الرقاع الذي وصف الصحابي أبي موسى أثرها فيهم فقال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ» فكان من نتيجة هذا الاستبسال وهذه التضحية التي طوفت أخبارها قبل وصول جيش المسلمين الى أرض أعدائهم أن قذف الرعب في قلوب الأعداء فاستسلموا من غير حرب، وكانت الرسالة أن الله يتنزل بالنصر بأشكاله المختلفة على من يذيب قوته ويبذل طاقته من أجل رفع الراية وأنه لا بد من عبور الشقة وبذل المشقة حتى يتحقق وعد الله واللا فإن الله قادر أن ينصر عباده ودينه وهم في أرضهم دون أن يخطو خطوة ولكنه الدرس لمن خلفهم والبلاغ لمن يليهم وقد فهمه الفاروق عمر فسار للقدس ماشيا أكثر من راكب على ذات النهج وتقديرا لقدسيتها ومكانتها.

 

لقد أدرك الأعداء هذا الدرس أيضا ولم تغب عنهم الرؤية الدينية والتاريخية فقال وليم طمسن رئيس صندوق الاستكشاف في القدس وفلسطين في القرن التاسع عشر في خطبته الافتتاحية: «إن هذا البلد، فلسطين، عائد لكم ولي، إنه لنا أساسا فقد مُنحت فلسطين الى أبي إسرائيل بالعبارات التالية: هيا امش في الأرض طولا وعرضا لانني سأعطيك إياها» ونحن عازمون على المشي عبر فلسطين بالطول والعرض لان تلك الأرض مُنحت لنا، إنها الأرض التي تأتي أنباء خلاصنا منها، إنها الأرض التي نتوجه إليها بوصفها منبعا لجميع آمالنا». أي إيمان وأي عناد وأي عزيمة تملكتهم ليروا أن كلام العهد القديم حق واجب الإنفاذ؟! لم يكتفوا بالإيمان فقط بل حققوا هذا المشي بالطول والعرض في فلسطين وما بدأ كحلم بعيد المنال أصبح حقيقة بنية وكلمة وعزيمة وخطوة تبعتها خطط وتطبيق على أرض الواقع، كان هذا المسير بمثابة حجر الأساس الذي أرسى مشروع حلم اغتصاب فلسطين وربط قلوب اليهود حول العالم بما يدعون أنها أرضهم المقدسة!

 

من هنا وبناء على هذا التاريخ التراكمي للأصدقاء والأعداء في الشرق والغرب والماضي والحاضر تكتسب مسيرة القدس العالمية في العام السادس والستين لاغتصاب فسطين أهمية تفوق الرمزية في إحياء ما يعرف بذكرى النكبة بمفاهيم وممارسات جديدة تخرج من حالة التباكي والضحية وشعور الاشتياق الى حالة الفعل والمبادرة والعمل وإيجاد ذاكرة مختلفة للأجيال القادمة عنوانها التمسك بفلسطين، كل فلسطين من البحر الى النهر، وأن لهم موعدا سنويا معها ليقولوا للعالم من كل مواقع غربتهم ولجوئهم أنهم يرفضون كل مشاريع التسوية والتوطين ولا قبول بحل دون التحرير والعودة.

 

والمسيرة تحمل شعار شارك حيثما كنت لأن عدد اللاجئين الفلسطينيين خارجها يكاد يقارب عدد الفلسطينيين داخل فلسطين والفلسطينييون حيثما سكنوا الأصل أن يكونوا حملة للهم وسفراء لقضيتهم وأعظمها القضية المركزية في القدس والمقدسات ولعلهم في بعض دول اللجوء قادرون على تحريك الرأي العام العالمي بإيجابية نحو دعم القضية وتسليط الضوء على ما يحدث الآن من انتهاكات خطيرة وغير مسبوقة للمسجد الأقصى ومشاريع التقسيم الزمني والتهويد.

 

إن الرسائل التي تحملها المسيرة متعددة الأبعاد بالذات في مرحلة الربيع العربي وانشغال العرب بقضاياهم المحلية بأن القدس تبقى أولوية ونقطة اتفاق، وهي أيضا رسالة لأصحاب القرار الفلسطيني أن التفريط والمساومة مرفوضان وأن الإجماع الفلسطيني في الداخل والخارج لا يمكن تجاوزه وأن حق العودة خط أحمر كتب بدماء الشهداء وأن أصغر طفل كأكبر شيخ لا يقبل عن فلسطين بديلا.

 

سينقل العالم عبر وسائل الإعلام صور المسيرة وخطبها وأعدادها وسيحللون رسائلها ومنهم العدو الصهيوني الذي سيقيس نبض العالم والشارع الفلسطيني بها لأنه يعرف أهمية الأحلام والخطوات الرمزية فقد عاش عليها دهورا وهو مشتت بين البلدان وعيونه معلقة على ما يدعيه أرض الميعاد ولسانه يردد شلت يميني ان نسيتك يا اورشليم، هذا شعب يعرف ما معنى أن تتقاذفك المنافي وتتوالى عليك النكبات وتحزك السكين ويبقى شعارك «أحدٌ أحدٌ فلسطين تجمعنا والعودة موعدنا».

 

ما أشبه اليوم بالبارحة ومشركو قريش يتجمعون حول جبالها ليروا محمدا وصحبه في عمرة القضاء فيلمحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لصحابته «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة».

 

نعم في مسيرة القدس العالمية هذا العام في 6-6-2014 وفي كل عام حتى تحريرها نحن مدعون لأن نري العالم من أنفسنا قوة في المواقف والأعداد. اليوم نسير اليها وغدا على أرضها ان شاء الله، هذه هي الرؤية وهذه هي البوصلة وهذه هي الخطوات.