الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء/14

نشر 31 مايو 2014 | 09:32

1- مدخل.

التعريف بكتاب «الفكر السياسي في فلسطين 1918-1948» للدكتور علي محافظة. والدكتور علي محافظة من أشهر مؤرخي الأردن، وهو في هذا العلم علم من أعلامه. وتقلد الدكتور محافظة مناصب عدة كان أهمها: رئيس جامعة مؤتة. ورأيت أن أقدم هذا الكتاب للقارئ العزيز ليكون متزامناً مع ذكرى النكبتين 15/5/48 و 5/6/67.

 

ويقع الكتاب في 387 صفحة وطبعه في طبعته الأولى سنة 89 مركز الكتب الأردني، ويضم سبعة فصول ومدخلاً استمر حتى ص24 ومقدمة من صفحة واحدة قال فيها: «حظيت فلسطين، في هذا القرن، باهتمام أعداد كبيرة من الباحثين والدارسين والكتّاب العرب والأجانب، ونال تاريخها وجغرافيتها وآدابها عناية كثير من المؤرخين والجغرافيين والأدباء والنقاد والمحدثين. وقلما حظي قطر عربي آخر بمثل هذا الاهتمام وتلك العناية. ولا غرابة في ذلك، ففلسطين كانت ولا تزال تشغل بال رجال الفكر وأرباب القلم مثلما تطغى على مشاعر الكثيرين، على اختلاف انتماءاتهم وتباين مشاربهم واهتماماتهم. فهي قطب الرحى في الحرب الدائرة بين العرب والغزاة الأجانب، وميدان الصدام مع المغتصبين الصهاينة، وعلى أرضها سيتقرر مصير هذه الأمة، ويتعين مستقبلها»

أما المدخل فتكلم عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية وذكر فيه أن فلسطين شهدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نمواً اقتصادياً ونمواً اجتماعياً.. ودخلت في النظام الاقتصادي الأوربي، وتعرضت، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، لاستعمار صهيوني مكثف متسارع. ثم تكلم عن القوانين العثمانية التي منحت الأجانب حق حيازة الأراضي وامتلاكها في الدولة العثمانية.. وأسهم هذا القانون في تشجيع الاستيطان الصهيوني.. وكان من نتيجة ذلك تقلص الملكيات الصغيرة والأميرية لصالح الملكيات الكبيرة، وكان ثمانية وعشرون ملاكاً في قضاء بئر السبع وغزة يملكون أكثر من مليوني دونم.

 

وكان سكان فلسطين ثلاث فئات: سكان المدن، والفلاحون، والبدو.

وتكلم عن ما صنعت بريطانيا في فلسطين من إثارة العداء بين الأسر المتنفذة وتشجيع هجرة اليهود. ثم تكلم عن التعليم، وبدء تشكل الوعي السياسي..

 

وتحدث التمهيد عن التحذير من خطر الصهيونية منذ مطالع القرن العشرين. وذكر من ذلك هذه المناشدة قبل مئة سنة من الآن: «فلسطين الحلقة التي تربط جزيرة العرب بمصر وأفريقيا، فإذا احتلها اليهود حالوا دون اتصال الأمة العربية..»

وهذه مناشدة لأهل الشام: «نحن إخوانكم الفلسطينيون، نشاطركم في كل مواقفكم المحن، فلماذا لا تشاطروننا، على الأقل، بشيء من الشعور بالمصائب التي تنصب على رؤوسنا.. نحن في وسط نكاد نفنى فيه ونجلى عن بلادنا.. ويحق علينا ما حق على هنود أمريكا إزاء المهاجرة الأجنبية..»

 

وأما فصول الكتاب فالفصل الأول بعنوان: مفهوم الاستقلال الوطني والموقف من الاحتلال والانتداب البريطانيين من ص 24-40.

والفصل الثاني: النضال السياسي من ص 43-101 وفيه من العناوين: الدبلوماسية العربية الفلسطينية. والخلاف حول أولويات العمل الوطني، الدعوة إلى العصيان المدني، النضال السياسي أثناء ثورة 36، اتصالات الحاج أمين بدولتي المحور، النضال السياسي بعد الحرب العالمية الثانية.

 

الفصل الثالث: الكفاح المسلح من ص 103-130 وفيه من العناوين: هبة البراق، مظاهرات سنة 33 وحركة القسام، حرب 47-48.

 

الفصل الرابع: مجابهة التحدي الصهيوني من ص 131-160 وفيه من العناوين: مقاومة الهجرة اليهودية، ومقاومة بيع الأراضي لليهود، المقاطعة العربية للبضائع اليهودية، طبيعة الحركة الصهيونية.

 

الفصل الخامس: الديموقراطية والحريات العامة من ص 161-210 وفيه من العناوين: التأثر بالفكر الليبرالي، والمجلس الاستشاري.

 

الفصل السادس: التنظيمات السياسية من ص211-272 وفيه من العناوين: المؤتمرات، الأحزاب السياسية.. وعدّدها.

الفصل السابع: التنظيمات السياسية العقائدية من ص 273-365 وتكلم عن الحركات القومية والحزب السوري الاجتماعي، والمؤتمر الإسلامي، والحزب الشيوعي.

 

وبعد، فالكتاب غني قيم مليء بالمعلومات الموثقة وهذا الموجز لا يغني عن قراءته.

2- خيار الديموقراطية والموقف منها.

 

يتراوح موقف العرب من الديموقراطية ونظام الحكم المستند إليها والقائم عليها ما بين ممجد مبالغ في التمجيد ومنتقد مبالغ في النقد وذكر المساوئ والتنديد.

 

وأظن أن الخلاف ليس له محل لأن الديموقراطية لم تحل في المنطقة العربية وليس مسموحاً لها أو لنا أن نقيم نظاماً ديموقراطياً. فأرى أن محل النزاع متوهم وغير حقيقي ولا واقعي ولا أساس له. ففيم التنازع والخلاف والعراك؟

على أن الأمر ليس إلا من باب التنظير والفكر، ولا بأس بطرحه من هذا الباب.

أما القائلون بسلبيات النظام الديموقراطي فمنهم من ينقد نقداً علمياً منهجياً تفصيلياً عملياً واقعياً من خلال التجربة والتطبيق، ويقرن بينها وبين النظام الرأسمالي ويعتبرهما حزمة واحدة وصفقة واحدة. وأرى أن الأمر ليس بالضرورة كذلك، وإن كان في التجربة الغالبة أنه كذلك. فيمكن أن يتم انتخاب رئيس ثم يطبق نهجاً في الاقتصاد ليس رأسمالياً بالضرورة. ومن هنا يمكن اعتبار الديموقراطية آلية في الانتخاب والاختيار والتغيير وليست منهجاً تفصيلياً يتحتم ويتعين أن تأخذ بالنظام الرأسمالي.

وبعضهم ينتقدها وينقضها من باب مغايرتها الجوهرية والجذرية والعقدية للإسلام. ومثل هؤلاء مع التقدير والاحترام يغضون الطرف عن قضايا:

أولها: ما أسلفنا سالفاً من عدها آلية للانتخاب والاختيار.

 

وثانياً: ليس الخيار بين الإسلام والديموقراطية، فالإسلام قد غيب عن الوجود السياسي والشهود الحضاري منذ عقود.

 

وثالثاً: إنا لم نطرح بديلاً تفصيلياً وآليات محددة للاختيار. فالبيعة نظام يصعب تطبيقه هذه الأيام. وأهل الحل والعقد يحتاجون بدورهم إلى اختيار والاختيار يحتاج إلى آلية.

 

ورابعاً: إن الداخل والخارج سيتألب عليك بشكل مسعور إن طرحت الإسلام وتجربة مصر خير شاهد.

 

والبعض يبالغ في تعظيمها وكأنها وصفة سحرية تحل كل مشكلاتنا المتراكمة منذ قرون.. والأمر ليس بهذه البساطة.

 

إن مجرد انتقالنا من شكلية أو شكلانية العملية الديموقراطية إلى واقعيتها وحقيقيتها يحتاج إلى مجهود كبير وصبر طويل وعمل دؤوب وتضحيات جسام، لأن قوى الانتفاع من الواقع المهترئ لن تسلم بالتغيير وللتغيير ببساطة. ما تجربة مصر مرة أخرى منكم ببعيد. ولا تحدثني أرجوك عن فشل مرسي، فليس في الكون أفشل من مبارك وحكم العسكر وجثم على صدر الشعب المصري ثلث قرن ولم يقل أحد عنه إنه فاشل.. بل على العكس كان قائد الأمة العربية طراً. ولا تقل لي «أخونة الدولة» فالموظفون المصريون قرابة سبعة ملايين فمن أين يمكن استبدال هؤلاء في سنة أو في ثلاثين؟!

 

وخلاصة القول إني أرى الديموقراطية آلية اختيار ولا تقل لي أرجوك أيضاً أخذ السلم معه على رأي السيسي! وبعد فنحن مسلمون نتبع ديناً يملك منهجاً مفصلاً للحياة، صحيح أنه غاب عن التطبيق لكنه قابل قطعاً ويقيناً للتطبيق فلماذا لا نجتهد على تقنين أحكام شريعتنا في بعدها الاقتصادي والقانوني والإداري والتعليمي والأسرى وسائر مناشط الحياة؟ أما المسيحية التي استدعت بتضييق معايش الناس استدعت إيجاد النظام العلماني، فليس عندنا مثل هذا الداعي فلماذا نسير خلف القوم بلا داع ولا موجب؟

 

وأما ما يشاع في الإعلام من أن المسلمين يدّعون الديموقراطية ثم يستخدمونها لمرة واحدة، ثم يلفظونها ويرفضونها، فهذا زعم وتخمين، تكذبه تجربة تونس، ولقد قال الغنوشي رائد هذه التجربة: «ضحينا بالحكم وخسرنا السلطة وربحنا الديموقراطية» ونرد على هؤلاء ببساطة رداً آخر إن كل العالم العربي لا يعيش ظلال ديموقراطية ولا حقيقتها فلم اتهام فصيل بما يقيم واقع عتيد عليه ولا تنقدونه؟

 

فلنلتق على كلمة سواء أن نتفق على نظام وآلية للاختيار اصطلح العالم على تسميتها ديموقراطية ولكنا لا نرضى بديلاً عن إسلامنا العظيم ونحتاج آلية تغيير وآلية اختيار فلنلتق على هذا القاسم والآلية.