( التنسيق الأمني مقدس.. مقدس؟!. اتفقنا في السياسة أم اختلفنا ؟!) كانت هذه هي الرسالة التي حمّلها محمود عباس لمجموعة اليسار الإسرائيلي التي التقاها مؤخرًا في المقاطعة، بحسب ما نشرته بعض وسائل الإعلام والمواقع بالصوت والصورة. الرسالة ربما تهدف إلى طمأنة نتنياهو وحكومته على بقاء التنسيق الأمني، رغم تعثر المفاوضات، ورغم دعوات قيادات فلسطينية لإنهاء حالة التنسيق الأمني، أو على الأقل إخضاع التنسيق لنقاش وطني.
ربما كانت دعوات وقف التنسيق الأمني من جانب الفلسطينيين مناورة للضغط على الطرف الآخر للعودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات، لأنها لا ترى أن في السلطة قوة تتحمل نتائج هذا القرار. وقد تكون ثمة أصوات جادة تعني ما تقوله بعد طول المعاناة، وبعد ما لحق بفتح والسلطة والشعب من أضرار جراء التنسيق الأمني.
التنسيق الأمني فعل مشين، وهو لا يحظى بتأييد شعبي، ولا بتأييد فصائلي، وحتى قيادات فتح تنظر إليه بريبة واحتقار، لأنه يتعارض مع أخلاق شعبنا، ومع مفهوم النضال والوطنية. ويقولون: على السلطة أن تجد ممرًا آمنًا للخروج مما هو مفروض عليها في هذا الملف.
هل ثمة ممر آمن أمام قيادة السلطة للخروج من عيوب وعار التنسيق الأمني؟! هذا السؤال لا يحظى بإجابة موجبة، لارتباط ملف التنسيق الأمني بملف المال والرواتب. ملف التنسيق الأمني ليس ملفًا منعزلاً حتى يمكن لعباس أن يلقيه في البحر، دون أن يخسر الرواتب، أو السلطة برمتها.
ولكن لست أدري لماذا وصف الرئيس التنسيق بأنه (مقدس)! ونحن نعلم أن المقدس هو فقط ما قدسه الله، وذكرته بهذه الصفة الكتب السماوية، وليس للبشر أن يقدسوا شيئًا باجتهادهم البشري, فكيف بالسيد الرئيس يقدس المدنس؟! إن المقدس هو ما يلتقي عند تقديسه المؤمنون لطهارته، والتنسيق الأمني ليس طاهرًا، ولا يلتقي عنده الحشاشون، فضلاً عن المؤمنين!!
لم يكن الرئيس موفقًا في اختيار لفظة من الخطاب الديني، ليصف فعلاً يحرمه الدين. كان يمكنه أن يقول عنه: إنه مهم، وضرورة، وهو تنفيذ لاتفاق، ربما يعبّر عن خلل في موازين القوة. إن كل مبالغة تأتي بعكس ما يريد صاحبها، ولكن لمَ المبالغة في شيء نعمله في الخفاء؟!. في السياسة مفردات كافية لوصف الأفعال السياسية التي يتبرأ منها الرأي العام، وكان بمكنة الرئيس أن يصل إلى هدفه بلغة سياسية. ولست أدري لم كرر كلمة المقدس بنكهة غريبة، ومن أمامه من أعضاء اليسار وأدعياء السلام لا يفقهون المقدس، ولا يرون في حياتهم شيئًا مقدسًا.
فهل كان الرئيس يستهدف بكلمته غيرهم ؟! هل كان يستهدف اليمين الحاكم في تل أبيب، أم يستهدف الفلسطينيين من دعاة وقف التنسيق ردًا على الاستيطان ، وفشل المفاوضات، وتراجع نتنياهو عن إطلاق سراح الأسرى؟! الإجابة عند الرئيس، وما عندنا يقول: التنسيق الأمني مدنس، ولا طهارة فيه، وهو عار اتفاق أوسلو.