مدير ثانوية العروبة عدنان شمدين

نشر 27 مايو 2014 | 09:22

إنه من الساحل السوري حيث يفرّخ قوات الاحتلال البعثية. كان يتمختر في ساحة المدرسة مباعداً بين فخذيه على هيئة طرزان، وعلى حقويه مسدس كبير. لم نكن في مدرسة. كنا في معسكر اعتقال. هكذا أعلن البعثيون مراسيم تسلمهم للحكم؛ إعدامات. تسلح. قتل واعتقالات.

 

قال لي أخي رياض لقد تمكّن مني الوغد. أخي رياض يعاني من شلل الأطفال، ولا يستطيع الجري والهرب بنفسه. طلبه إلى الإدارة المجرم (شمدين) والمسدس في يده يلوح، وهناك بدأ بتعنيفه وانهال بالضرب عليه، وهو لا يستطيع أن يخلص نفسه حتى شبع المدير الهمام (شمدين) من الضرب والإهانة وأخي رياض من الكدمات والتورمات والأذى الروحي.

هكذا كانت قوات الاحتلال البعثية تعامل العباد. فليس ثمة بيت ومنزل، دسكرة وقرية، بناية ومؤسسة، عائلة وعشيرة إلا وأهين أحد أفرادها، أو ضرب، أو اعتقل، أو أهين، أو سلب، أو نهب، أو بصقوا عليه، أو وضعوه في الدولاب والخازوق وكهربة الأعضاء التناسلية. عفواً.

 

إنهم ساديون نازيون فاشيون كما صرخت في وجههم يوماً؛ (فاشيين نازيين). كان جلادي في تلك الحفلة رجل مخابرات من درعا من عائلة (محاميد) على ما أذكر، وأتذكر هناك ثلاثة ضباط آخرين، وضعوني في منطقة الحلبوني الهادئة على التعذيب والتحقيق، في قصر الشيخ تاج الدين الحسني، أول رئيس جمهورية؛ فحولوا القصر بعد أن استولوا عليه إلى مركز تعذيب وجلد.

 

عدنان شمدين وهو أنموذج من عشرات الآلاف من القيح السوري، إذا لم تخني الذاكرة كان مدير ثانوية العروبة التي كنت أدرس فيها، وكنت طالباً متفوقاً، نالني من أستاذ الفتوة حصة خاصة من الإهانة والتعذيب.

 

كانوا يجبروننا على أن نردد كل صباح شعار الثالوث المقدس: وحدة حرية اشتراكية حيث لا حرية بل استبداد وطائفية وشرذمة. كان الشاب المتأتيء (زهركو) كما كنا نسميه استخفافاً قد جندوه ليزعق وهو لا يبين. هم هكذا يفعلون في استخدام أسافل القوم لأقذر المهمات فيمنحونهم المناصب. ما زلت أتذكره وأستاذ الفتوة وكأنه البوق يصرخ وابن عمي (بشير الخطيب) يقول علينا بعقوبة الخونة حين رأوني لا أردد شعار الثالوث المقدس. أمروني بالزحف فحولوني إلى كائن من الزواحف البرية.

 

قصص الإهانات لها سجل كبير لكل مواطن سوري تقريباً، إلا من كان من العصابة وجند فرعون، وحتى هذا يناله أحياناً شيء من البؤس والاعتقال؛ لأن آلة البعث الجهنمية لم تترك من شررها ونارها ودخانها وفحمها أحداً.

 

كنت أقول في نفسي خالص سوف تخلص حين تصل الجامعة؛ فابذل جهدك حتى تفوز في البكالوريا، بأعلى علامة ممكنة. قبل الامتحانات بشهرين تحركت الأحداث في حماة. كنت جالساً عند صديق لي فهبط علينا رجال المخابرات، وألقوا القبض احترازياً على ثلاثين شخصاً، مشتبه بهم. زربونا في قبو المخابرات العسكرية.

 

كان البناء بسيطاً صغيراً. لاحقاً حينما اجتمعت برجل المخابرات الداهية الكذاب (منصورة) كان المكان قد استحال إلى مدينة هائلة، بمئات العناصر المسلحين من مخابرات شتى.

 

لقد نمت الأجهزة الأمنية بأشد من تنين القديس (مارتين) بسبعة عشر رأساً يقذف باللهب. إنها أيام جهنمية يجب أن نذكرها للناس عبرة للقارئ وموعظة للغافل لعلهم يتقون.