«ديمة ما هذه التي تلبسينها على يديك؟
-هذه معاصم يا دينا.
- لماذا تلبسيها وأنت تلبسين أكماما طويلة؟
-حتى لا يظهر شيء من يدي عندما أرفعها!
-أليس هذا كثيرا؟!
-ليس كثيرا اذا كنت مقتنعة بجدواها.
-ما هذه التي تلبسينها تحت الحجاب؟ -هذه قمطة! -وبماذا تفيد؟ -مزيدا من الستر وحتى لا يسحل الحجاب اويظهر شيء من الشعر! -أليس هذا كثيرا وأنت محجبة؟! -لا ليس كثيرا ان كنت مقتنعه بجدواها.
-الدنيا صيف والجوارب مزعجة ولا أحب اللون الأسود ولا البيج، ولن يرى أحد قدميك مع الجلباب الطويل الذي يغطيها! ديمة أنت تشددين على نفسك زيادة!
-واذا طلعت الدرج واذا ارتفع جلبابي ماذا افعل ساعتها يا دينا؟!
-لماذا تلبسين بنطالا بشكل دائم تحت الجلباب؟ وهنا نفذ صبري في آخر هذا الاستجواب التفصيلي وعرض الحال فصرخت فيها: دينا هناك شيء يسمونه كمال الستر وهذه بعض مظاهره! بالطبع لم تفهم دينا ما هو الستر ولا كماله وآخر ما خرجت به بعد هذه المحادثه: ديمة أنا أحبك ولكنك معقدة!!
تركت الموضوع جانبا وضحكت فأن أتكلم واياها عن الستر وهي لا تصلي، سفه وتضييع وقت! أن أتكلم معها عن الصلاة وعلاقتها بالله شبه مقطوعة كمن يشرح النظرية النسبيه لابن الروضة!
كانت دينا صديقة الدراسة الحميمة في قسم اللغة الانجليزية ككثير من الطالبات ينظرن الى المحجبات ككائنات فضائية تستحق الدراسة والمراقبة، ليست مراقبة الحب او المعرفة بل احيانا التوجس والتشكيك وتأكيد صورة سلبية في نفوسهن، ما زلت أذكر أن مجموعة الأوائل البرجوازية وكانت دينا اولهن تستغرب أني ومجموعة من صديقاتي المحجبات نتقن الانجليزية بل وننافسهن على المراكز الاولى، بل وبحسن المعاملة اضطروا ان يفسحوا لنا في قلوبهن مع القناعة الكاملة ان هذا استثناء القاعدة!!!
صديقتي دينا هي مثال لشريحة واسعة من المجتمع مسلمة في شهادة الميلاد، ولكن لا تعرف شيئا عن الاسلام، وتعيش حياتها من ألفها الى يائها دون ان يكون لها بهذا الدين علاقة سوى ما سجل عنها في شهادة الميلاد وسوى دفنها في مقابر المسلمين عند الموت!
الغريب ان صديقتي دينا لم تكن انسانة سيئة ولا زميلاتها، بل أستطيع القول أنها كانت على خلق، لا تكذب لا تغش، تساعد الاخرين، لطيفة المعشر، إنسانة وطيبة، لا تتوسع في العلاقات مع الشباب، ملابسها مستورة عموما، يعني لو زاد عليها الدين لكملت اخلاقها والكمال لله! ولكن ببساطة كانت تعيش في واد والدين في واد آخر!
اذكر أني تعمدت دعوتها لحفلة في بيتي وأظنها أخذت يومها صدمة حياتها فقد دخلت مشدوهة وخرجت مصدومة، واعتقدت من استغرابها الذي بدا على ملامحها بشكل يدعو للضحك انها كانت تظن ان المحجبات يعشن وينمن بالحجاب والمعاصم والقمطة والسروال والجوارب، فكانت الصاعقة الكبرى أنها رأتهن في البيوت إناثا كما كل الإناث يحرصن على الجمال والأناقة والاستمتاع، وكل ما تفعله هي وصديقاتها في الخارج! أردت أن أخفف عنها ولكني أردت أن تأخذ الجرعة والدرس كاملا وأخذت كذلك أنا درسي.
كان الدرس أننا كمحجبات نعيش في كثير من الاحيان عزلة شعورية وحياتية عن غيرنا، والامر ليس بيدنا فالشيء منجذب الى مثيله، ولذا نجد أبواب القلب مشرعة لكل من يشابهنا في الشكل والمضمون دون تكلف او بذل، بينما نحس بالصدود تجاه غير المحجبات، لا إراديا أيضا، فماذا يمكن ان يكون بيننا من المشتركات وقد اختلفنا في الاساسيات، وتتعمق الهوة وتأخذ صفة السلبية والاتهام ويتخندق الجميع في موقعه!! ويظل الحجاب في موقع اتهام ونفور منه من قبل غير المحجبات!
واني لأضع اللائمة على المحجبات بالكامل؛ فالذي يعرف ليس كمن يجهل، والذي يعيش بحبوحة ورحمة وسعة الاسلام في نفسه ليس كمن يعيش على أطرافه، واذا لم نستطع ان نقرأ على شيخ واحد، كناية عن الاتباع، فلا يجب ان نستثني من أقعدهم الجهل اوشغلتهم الدنيا ان يكونوا معنا وعلى نفس خطنا.
تعلمت من دينا أن أقبل الفستان السواريه والبرمودا وحتى القصير والضيق ليس قبول الموافق والمؤيد ولكن قبول المحب المشفق، الذي يتأمل ولو بخطوة تأخذ هؤلاء في الاتجاه الصحيح، تعلمت الا أطلق الأحكام المسبقة، فالرفض والاستبعاد والادانة أسهل المهام والخيارات، ولكن أصعب الصعب بذل اهتمام حقيقي فيمن تراه أمامك مشروعا خاسرا او قليل المكاسب على المدى القصير والبعيد.
دينا لم تتحجب ولم أحاول أن أحجبها خلال أربع سنوات الدراسة، ولكني أزعم أن علاقتنا أثمرت بتغيير نظرتها للمحجبات بإيجابية تامة، وهذا انجاز بحد ذاته في تحييد من كان معاديا، وتحريك من كان محايدا، وتكثير الانصار.
في يوم ما كان يشرح لنا الاستاذ عن النسوية ومبادئها في حرية المرأة ان تفعل بجسدها ما تشاء your bod is your own، سألت الدكتور يومها لماذا يوافق العالم على حرية العري والتكشف ويحارب الستر والحجاب؟ لماذا لا تسير الحرية بالاتجاهين؟!
نظرت الي دينا فأشرت لها الى المعاصم والقمطة والجوارب والسروال، ضحكت واظنها فهمت الدرس
فهل فهمنا درس حنو الستر واتساعه لقبول كل من ضاق قلبه أو قصر عقله أو جهل وجدانه عن إدارك كرامة وجلال وجمال الحجاب؟!
درس لو أدركوه لتقاتلت النساء على الحجاب بالسيوف!
الستر ليس فقط مظهرا ولا سلوكا وخيارا فرديا، إنه ثقافة يمكن نشرها وتعلمها، وهو اصل فطرة الانسان، فواجب الدعاة ان يحسنوا البلاغ ليرى الناس ما خفي عنهم من جوهرهم الاصيل، ويزيلوا ما علق بهم من ران الشيوع والابتذال.
جداتنا كن يلبسن كل عدة الستر هذه، ولكن لم يكن الانجاز في عصرهن كبيرا، فماذا يختلف جيل المستورات بحكم العادات والتقاليد عن جيل المستورات بحكم الفهم والخيار والقناعة الكاملة؟
الحجاب ليس خرقة قماش انه نظام حياة وبلاغ ودعوة.