ليبيا واحدة من دول الربيع العربي إلى جانب تونس، ومصر، واليمن، وسوريا، ولكن ليبيا تتميز عنهم بالثورة المسلحة التي تلقت دعما عربيا ودوليا أسفر عن سقوط نظام القذافي بكامله، وليس سقوط رأس النظام كما في بقية دول الربيع عدا سوريا. ليبيا دفعت ضريبة من الدم غالية لإسقاط نظام القذافي ، الذي تعمد محاربة الثورة بقوة السلاح. ليبيا التي خرجت من محنة القذافي، لم تتمكن حتى الآن من إقامة نظام ديمقراطي بديل، ولا من إقامة مؤسسات حكومية قادرة على فرض سيطرة الدولة على الأرض.
نعم، المراحل الانتقالية صعبة عادة، وفيها كثير من الألغام غير المتوقعة، وفيها تعارض بين المصالح، والقوى، والقبائل، فضلا عن التعارض في الأفكار، والهوية، والسياسات الخارجية والداخلية، وفيها تزدحم المطالب المحقة وغير المحقة، لأنك ببساطة تهدم نظاما قديما، وتقيم نظاما جديدا، وهذا كاف لتوالد المشاكل التي ذكرت والتي لم أذكرها. ولكن الحالة الليبية تزيد عن الحالات الانتقالية في غيرها من البلاد بأمرين:
الأول: انتشار السلاح في أرجاء ليبيا كافة، مع القبائل، ومع القوى الثورية المختلفة، وهذا كاف لإضعاف الحكومة المركزية، لأن السلاح هو صاحب القرار.
والثاني: هو التدخلات الخارجية السافرة، وهي تدخلات موزعة بين قوى دولية شاركت في إسقاط القذافي، وقوى إقليمية ترفض الربيع العربي وتقاومه، لأنها تخشى تداعياته عليها، وقد أحسن رسام الكاريكاتير علاء اللقطة حين عبّر عن الفكرة من خلال نبتة فيها ثلاث وردات، واحدة تمّ قصها وإلقاؤها على الأرض، ومكتوب عليه مصر، والثانية على عنقها مقص ، ومكتوب عليها ليبيا، والثالثة تقف الى أعلى ومكتوب عليه تونس. هذا الرسم لخص معركة الثورة والثورة المضادة في دول الربيع العربي، وكتب بجلاء تقدير موقف سياسي لما يجري في ليبيا.
ليبيا الآن تتجه نحو أزمة حقيقية، لا أزمة مفترضة، وهي أزمة تحتكم أطرافها الى السلاح، وثمة من يتجه نحو محاصرة الحركات الاسلامية على شاكلة ما حصل في مصر، وأصابع الاتهام حول تفجر العنف تتجه بالمسئولية الى أميركا، و(إسرائيل)، ودول عربية محددة، وشخصيات محددة تعمل بحسب أجندات خارجية.
الحكومة الليبية ضعيفة، وتعمل مثل سيارة المطافئ ، وهذا فراغ يغري القوى الداخلية الليبية، والدول الخارجية لفرض أجندتها ورؤيتها لمستقبل ليبيا. لذا يجب معالجة ملف الدولة أولا.
وباختصار شديد ليبيا الآن على مفترق طرق، إما أن يجمع الحكماء وأهل السياسة الأطراف على حلّ سياسي توافقي لا يقصي أحدا، وإما أن تكون الكلمة للسلاح والقوة العسكرية، وهذا سيزيد من فرص التدخلات الخارجية، وسيعيق بناء الدولة ، وستدفع ليبيا ثمنا باهظا من دماء أبنائها ومقدراتها، وربما تنجح القوى الخارجية بفرض التقسيم عليها إلى ثلاث دويلات، على نحو ما توصي به بعض مراكز الأبحاث الصهيونية والأمريكية.
الإخوة في ليبيا يملكون القرار، وبيدهم الحل، إذا ما غَلّبوا لغة العقل، وغلبوا التوافق على المغالبة في الفترة الانتقالية، واتعظوا من الحالة السورية، وأخذوا بالحكمة التونسية، و وقفوا جميعا ضد التدخلات الخارجية.