المناعة الاجتماعية

نشر 17 مايو 2014 | 10:26

المتأمل لأوضاع العالم العربي يواجه حالة مستعصية والسؤال لماذا يحدث ما يحدث؟ وهنا لابد من الاستعانة بعلم الأمراض العضوية كي نفهم ما يحدث في عالم الاجتماع. ويمكن نقل قوانين البيولوجيا بدرجة ما إلى علم الاجتماع كما فعل الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر. والصحة والمرض ليسا أوضاعاً إستاتيكية جامدة بل أوضاعاً ديناميكية متحركة. ونحن نعرف في الطب أن انحراف المزاج من الصحة إلى المرض هو بسبب خلل في توازن معقد بين الجهاز المناعي في البدن والهجوم الجرثومي من الخارج. ولكن انكسار التوازن يحدث تالياً لانهيار الجهاز المناعي. أي أن المرض لا يبدأ من الخارج بل من الداخل وفي يوم تحدى الطبيب فيرشوف أن تكون ضمات الهيضة سبباً في الكوليرا وابتلع الجراثيم فلم يصب بسوء. ويومها كان المرض قاتلاً. وفي هامبورج المدينة الساحلية كان يدفن عام 1905 كل يوم ألف مصاب تحت التراب.

 

ويتصرف البدن حيال الأزمة المرضية إما بمكافحة جرثوم يعرف تقنيات المصارعة معه ولكنه يضعف فيقتحم الجرثوم الحدود إلى الداخل مثل يأجوج ومأجوج فهم من كل حدب ينسلون، وإما بهجوم غادر من فيروس غامض الطبيعة لم يتعرف عليه البدن من قبل فيسقط أمامه بعدم الاستعداد المسبق. وكلتا الآليتين تجتمعان في النهاية في آلية واحدة بضعف الاستعداد أو عدم الاستعداد. وبالتالي انهيار الجهاز المناعي. كما حصل مع اجتياح مصر القديمة بجنود الهكسوس في الألف الثانية قبل الميلاد عندما فاجأوا الحضارة الفرعونية بآلة الحرب الجديدة المكونة من العربة والحصان. فلم يكن أهل النيل يعرفون العجلة الحربية وبنوا أشهر أهراماتهم بعبقرية هندسية وعضلات بشرية. ومبدأ إعطاء اللقاحات ضد شلل الأطفال والجدري يقوم على نفس التكتيك بإدخال فيروس مضعَّف أو مقتول فيغالب الجسم ميتا أو شبه ميت بكل الاستعداد فيتدرب كما يضرب الملاكم دمية القطن.

 

 وبالمقابل فإن الصحة هي مقاومة الجهاز المناعي بالتعرف على مواطن ضعف الخصم والقضاء عليه. والصادات الحيوية في الطب ليست هي التي تشفي بل هي أداة في هذه الحرب الطاحنة أي وسائل مساعدة للجهاز المناعي لإضعاف الجراثيم بلجمها فيبتلعها في مواجهة ساخنة يغلي منها البدن بالحرارة. ومن يقضي على المرض هو الجهاز المناعي. ويلحق بهذه الآلية شيء أخطر هو تداخل المرض مع الاختلاط. أي أن المرض يقود إلى مرض جديد. مثل اجتماع السل مع السكري، والسكري مع قصور الكلية. ووصف الله المنافقين بأن في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. وكل الكلام السابق يفيدنا في شيء واحد أن مرض العرب داخلي لا خارجي فلنكف الحديث عن وحشية الآخرين ولنلتفت إلى مرضنا الداخلي ولنرفع قوة جهاز المناعة عندنا. وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين فهذه هي فلسفة القرآن. والمسلمون اليوم لا يستفيدون من هذه الحكمة البالغة.