في عام 1649م ولدت الجمهورية في بريطانيا على يد كرومويل، وكان أهم شيء فعله شق الطريق إلى (التسامح الديني). والفضل في عمل كرومويل يعود إلى فيلسوف مشهور هو (جون لوك)، وكما حلَّل صديقه (نيوتن) الضوء، فقد قام لوك بتحليل النفس الإنسانية والعمل السياسي، ويقول لوك عن (التسامح الديني): إنه يجب أن ينتقل من التسامح بين أبناء الدين الواحد، إلى التسامح بين أبناء الديانات المختلفة، فأين آذان المسلمين لسماع مثل هذا الكلام؟
قال الرجل: «يجب أن لا نستبعد إنساناً أياً كان عمله أو وظيفته لأنه وثنيّ أو مسلم أو يهوديّ». وأثرت أفكار (جان لوك) في تفجير الثورة الفرنسية و«إعلان حقوق الإنسان»؛ بل إنها انتقلت إلى أمريكا الجنوبية فقد تأثر (سيمون بوليفار) بفكره، وحرر خمس دول من الاستعمار الإسباني؛ هي كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبوليفيا وبيرو بين 1819 و1825 م.
وهكذا ترك لوك آثاره على جو التنوير والتسامح الديني في أوروبا؛ فأخرج (إيمانويل كانط) كتابه (نحو السلام الدائم) وظهر (إيرازموس) بالنزعة الإنسانية من روتردام. إن أكبر نكبة تحيق بالفكر هي التشدد، لأنه يعمل ضد قوانين الطبيعة التي تقوم على التوازن؛ فالكون ركب على العدل الذي هو قمة التوازن؛ فزيادة البوتاسيوم أو نقصه في الدم، يقود إلى توقف القلب بالاسترخاء أو الانقباض. والكهرباء جيدة عندما ترفع الناس في المصاعد، ولكنها قاتلة إذا نزلت من السماء على شكل صاعقة.
وأفضل حالة للطاقة هي الاعتدال، والماء جيد إذا حبس خلف السد، وهو مدمر إذا جاء على شكل الطوفان. وعضلات الجسم فسيولوجيا هي في حالة توتر بين الانقباض والانبساط. ولا يولد الطفل من رحم أمه دون التقلص والارتخاء.
والفلسفة الصينية تقوم على مبدأ تبادل السلبية والإيجابية، ويسمونها الين واليانغ. وأفضل شيء في المجتمع هو العدل. وخير حالة تعيشها النفس هي الصحة النفسية بتوازن الغرائز.
ويقول الفلاسفة إن الوسط الذهبي لكل فضيلة هو وسط بين رذيلتين؛ فالشجاعة وسط بين الخوف والتهور. والكرم رائع إذا جاء بين حدي البخل والإسراف. ومبدأ الثنائية خطأ فليست الأمور أســود أو أبيض، ولا يخــرج (التدين) عن هذا القانون، والتشدد هو ضد قوانين الحياة. والفكر الإسلامي المعاصر ابتــلي بهذا الوباء؛ فهو ينتشر ويضرب الأدمــغة مثل الحمى السحائية. والتدين يشبه الملح في الطعام، فدون التدين تنقلب الحــياة إلى عبث لا معنى له، وبقدر حاجة الــبدن الضرورية للملح بقدر تسممه إذا زادت الجـرعة؛ فهذه هي جدلية التدين والتعصب. إذا أخذ التدين بجرعته المناسبة أعطى للحياة معنى، ونشر الرحمة والحب والسلام. وإذا زادت الجرعة انقلب الوعي إلى تعصب قاتل لا يرحم.